عذاب الوسواس القهرى

إعداد

د.محمود جمال أبو العزائم

مستشار الطب النفسى

     إن أحاسيس القلق والشكوك والاعتقادات المرتبطة بالتشاؤم والتفاؤل كل هذه أشياء عادية فى حياة كل منا... فمثلا التلميذ الذى يعد السلالم أثناء هبوطه أو تسلقه والذى يقذف حجرا بقدمه من المدرسة إلى المنزل وكذلك عند العودة، أو يسير خطوة على الرصيف وخطوة على الأرض وهو يعلم تفاهة هذه الأعمال ولكنه لا يستطيع التوقف عنها...  كذلك فان الكثير من العادات والتقاليد يلعب فيها العامل القهرى دورا هاما...  فحدوة الحصان على المنزل تمنع الحسد ويوم الجمعة ظهرا ساعة نحس، وسكب الملح على المائدة يبعث على التشاؤم...  وهكذا ثم نفخ الزهر قبل لعب الطاولة، ثم الطقوس الذى يقوم بها الفرد قبل خروجه من المنزل من شرب الشاى وقراءة الجرائد، وحلق الذقن والاستحمام والإفطار بطريقه منتظمة إن اختلف عنها شعر بعدم الراحة والقلق رغم معرفته إن تغيير هذا الروتين لن يضر إطلاقا ...  والطالب الذى يستمر طوال الامتحان مرتديا نفس الزي الذى انهى به اليوم الأول وأجاد أثناءه الامتحان وأصبح يتشاءم من تغيير ردائه.

ولكن عندما تصبح هذه الأشياء زائدة عن الحد كان يستغرق إنسان فى غسيل اليدين ساعات وساعات ... أو عمل أشياء غير ذات معنى على الإطلاق كان تقود سيارتك ساعات وساعات حول منطقة سكنك للتأكد من إن حادثة ما لم تحدث، عندئذ يقوم الأطباء بتشخيص الحالة على أنها حالة مرض الوسواس القهرى. ففى مرض الوسواس القهرى، يبدو العقل كأنه التصق بفكره معينة أو دافع ما و أن العقل لا يريد أن يترك هذه الفكرة أو هذا الدافع. ويعتبر مرض الوسواس القهرى مرضا طبيا مرتبط بالمخ ويسبب مشاكل فى معالجة المعلومات الذى تصل المخ.

ويتضمن مرض الوسواس القهرى عادة أن تكون هناك وساوس وأفعال قهرية، على الرغم من أن المصاب بمرض الوسواس القهرى قد يعانى فى بعض الأحيان من أحد العرضين دون الآخر.

ومن الممكن أن يصيب هذا المرض الأشخاص فى جميع الأعمار ويجب أن نلاحظ أن معظم الوساوس القهرية لا تمثل مرضا...  فهناك طقوس معينة (مثل الأغانى التى تغنى قبل النوم وبعض الممارسات الدينية) والتى تعتبر جزءا من الحياة اليومية والذى تلقى ترحيبا من الجميع.

أما المخاوف العادية مثل الخوف من العدوى بمرض ما والتى قد تزيد فى أوقات الضغط العصبى كان يكون أحد أفراد الأسرة مريضا أو على وشك الموت فلا تعتبر مثل هذه الأعراض مرضا ما لم تستمر فتره طويلة وتصبح غير ذات معنى وتسبب ضغوطا عصبية للمريض أو تحول دون أداء المريض للواجبات المناطه به أو تتطلب تدخلا طبيا.

والوساوس هى الأفكار والصور والدوافع الغريزية التى قد تتم بشكل متكرر وتحس بأنها خارجه عن إرادتك...  وعادة لا يريد الشخص أن يفكر بهذه الأفكار ويجدها مضايقه له ويجد نفسه مرغما عليها ويحس عادة بأن هذه الأفكار لا معنى لها فى الحقيقة. وقد يقلق الأشخاص المصابون بمرض الوسواس القهرى بشكل زائد عن الحد من الجراثيم والأتربة وقد يحسون انهم مرغمين على التفكير بشكل مستمر فى فكرة انهم قد التقطوا عدوى أو انهم سيعدون الآخرين .وأحيانا يفكر هؤلاء الأشخاص بشكل متكرر فى انهم قد آذوا شخصا ما ربما خلال إخراجهم السيارة من ممر الجراج...  أو يخاف من أن يقوم فى المسجد أثناء الصلاة فيسب الله. ويستمر هؤلاء الأشخاص فى التفكير بهذه الفكرة على الرغم من انهم يعرفون عاده أنها ليست حقيقة.

وترتبط بالوسواس أحاسيس غير مريحة مثل الخوف والاشمئزاز والشك. ويحاول الأشخاص المصابون بمرض الوسواس القهرى فى العادة أن يخففوا من الوساوس التى تسبب لهم القلق عن طريق القيام بأعمال قهرية يحسون أن عليهم القيام بها.

والأعمال القهرية هى أعمال يقوم الإنسان بعملها بشكل تكرارى وعادة ما يتم القيام بهذه الأعمال طبقا لقواعد محددة ... فقد يقوم الأشخاص المصابون بوسواس العدوى بالاغتسال مرات ومرات وبشكل مستمر حتى أن أيديهم تصبح متسلخة وملتهبة من كثرة الاغتسال...  وقد يقوم الشخص بالتأكد مرة ومرات من انه قد اغلق الموقد أو المكواة فى مرضى الوسواس القهرى المتعلق بالخوف من احترق المنزل.

وعلى العكس من الأعمال القهرية الأخرى كشرب الخمور القهرى والمقامرة القهرية فان الوساوس القهرية لا تمنح صاحبها الرضا أو اللذة بل يتم القيام بهذه الأعمال المتكررة للتخلص من عدم الارتياح الذى يصاحب الوساوس.

ويعانى مريض الوسواس القهرى معاناة شديدة من تلك الوساوس التى ينكرها عقله و يستنكرها ولكنه لا يستطيع الخلاص منها ويجد الكثير من الحرج فى التحدث عنها أمام الآخرين ...  وحتى أمام الطبيب النفسى.

وعندما يحضر المريض للكشف من مرض الوسواس القهرى فانه يتكلم أحيانا فى موضوعات أخرى ...  أو قد يبدأ ببعض الشكاوى الجسمانية قبل أن يتحدث عن مرضه كأنه يجس نبض الطبيب وعندما يحس بان الطبيب يفهم معنى وأعراض المرض فانه يندفع فى الحديث عن مشكلته الخاصة باستفاضة ويظل يلف ويدور حول معنى الوساوس...  ولا يحس بالراحة إلا بعد أن يعرض مشكلته بوضوح ويكررها اكثر من مرة حتى يطمئن أن الطبيب قد أدرك مشكلته ومدى معاناته.

وفى أحد الأيام حضر إلى العيادة شاب يبلغ من العمر 30 عاما ويعمل طبيب فى إحدى الدول العربية ، وكان يبدوا علية علامات التوتر والاكتئاب ، وعندما سألته عما يعانى منه قال:

     كانت هذه مقابلة مع مريض بالوسواس القهرى حيث كان يعانى من الوساوس الفكرية .

    ويظهر اضطراب الوسواس القهرى عادة فى الشخصية الوسواسية والتى تتميز بالصلابة مع عدم المرونه، وصعوبة التكيف والتأقلم للظواهر المختلفة مع حب النظام والروتين وضبط المواعيد، والدقة فى كل الأعمال والاهتمام بالتفصيلات والثبات فى المواقف الشديدة أى أن هذه الشخصية عكس الشخصية الهستيرية بسرعة تقلباتها وذبذباتها وقابليتها للإيحاء،    ولا شك أن الإنسان الناجح يحتاج لبعض سمات الشخصية الوسواسية حتى يستطيع تنظيم ذاته، لكن إذا زادت عن الحدود الطبيعية، فدائما ما تجعله هذه الشخصية عرضه للصدام مع الزملاء والرؤساء والمرءوسين نظرا لضميرهم الحى ورغبتهم فى تطبيق مثاليتهم على كل من حولهم

   وقد ذهب البعض فى تفسير مرض الوسواس القهرى إلى أن سببه هو وجود بؤرة كهربائية نشيطة فى لحاء المخ، وتسبب هذه البؤرة حسب مكانها فى اللحاء فكرة أو حركة أو اندفاعا وتستمر هذه الدائرة الكهربائية فى نشاطها رغم محاولة مقاومتها تماما كما تتعطل الاسطوانة فى المسجل وتتكرر نفس النغمة وتستمر إن لم يحركها الفرد إلى نغمه أخرى...  وهذه البؤرة وان لم تكن فى حالة نشاط مستمر إلا أنها على اتصال دائم بكافة الدوائر الكهربائية فى لحاء المخ ولذا يتبين للمريض عدم صحة هذه الفكرة لان بقية اللحاء أو مركز الفكر يقاوم هذه البؤرة . ويختلف ذلك عن هذاءات العظمة أو الاضطهاد والذى تسببه بؤرة كهربائية فى اللحاء ولكنها عزلت نفسها عن باقى اللحاء بعملية انفصال عن باقى الدوائر الكهربائية، ولذا فالمريض يؤمن بصحتها نظرا لعدم وجود نشاط لحائى على اتصال بهذه البؤرة لمقاومتها أو الكف من نشاطها.

  والجدير بالذكر أن كلمة الوسواس فى اللغة العربية تشمل الوسواس الخناس ألا وهو الشيطان...  أما الوسواس القهرى فهو مرض نفسى ... وفى كل اللغات الأخرى فان الكلمتان مختلفتان ونستطيع إدراك لماذا يلجأ مرضى الوسواس القهرى إلى رجال الدين الذين كثيرا ما يصفون المرض على انه من عمل الشيطان ويزيد ذلك الطين بلة حيث يعانى المريض المؤمن من الشعور بالذنب والاكتئاب...  ولذا يجب التوعية بهذه الفروق حيث أن كثيرا من المرضى لا يعلمون، وليس عندهم الوعى الكافى والدراية اللازمة انه مرض وله علاج ناجح خاصة فى السنوات الأخيرة .

  ويحتاج مريض الوسواس القهرى للعلاج النفسى وذلك لتفسير طبيعة الأعراض وطمأنته بأن حالته بعيدة عن الجنون والتقليل من خوفه على ملكاته العقلية مع محاولة الكشف عن العوامل الدفينة التى أدت إلى هذه الأعراض والمعنى الرمزى لأعراضه كما يحتاج المريض أحيانا إلى تغير مكان العمل أو السكن حتى يبتعد عن مصدر الوساوس خاصة إذا كان له علاقة بالخوف من الأمراض أو التلوث بالميكروبات أو طقوس حركيه خاصة... وبالطبع فهذا النوع من العلاج وقتى ولا يستأصل المرض جذريا لأنه سرعان ما تعود الأعراض ثانية بالرغم من تغيير البيئة .

  وتفيد العقاقير المضادة للقلق والاكتئاب والأدوية المطمئنة الكبرى فى اختفاء التوتر والاكتئاب المصاحبين للوسواس مما يجعل المريض قادرا على مقاومته راغبا فى الاستمرار فى نشاطه الاجتماعى

  وقد ظهرت حديثا العقاقير المضادة للاكتئاب والتى لها خاصية زيادة الموصل العصبى السيروتونين مثل عقار انفرانيل و عقار بروزاك وعقار فافارين وأثبتت فاعلية فى علاج الوسواس القهرى مقارنة بالعقاقير الأخرى المضادة للاكتئاب والتى تتلخص فاعليتها فى تخفيف القلق والاكتئاب دون التأثير على الوساوس .


حوارت نفسية

مشاكل المراهقة عذاب الوسواس القهرى قاتل امه روشتة بدون اسم زهزهة وسكينة

 

مشاكل المراهقة       خايف أتجنن          أم تقتل ابنها          إذن للزواج          أريد القصاص           اعصابى تعبانة