
قد يكون الشخص عاديا في ظروف ما وفي بيئة ما ولكنه قد يصبح عبقريا (أو قائدا أو
مصلحا أو مؤثرا ) في أحوال بعينها , وهذا ما يجعل أبناء العباقرة غالبا أشخاصا
عاديين على الرغم من كونهم ورثوا درجة عالية من ذكاء آبائهم او أمهاتهم , ولكنهم لم
يعيشوا في المكان أو الزمان الذي يفجر عبقريتهم ويضعها حيث يحتاجها الزمان والمكان
والناس. هذه المقدمة ضرورية لكي نرى سمات شخصية البرادعي في إطار الزمان والمكان
والأحداث حيث أن هذه العوامل قد تكون محفزات لبعض السمات ومثبطات لسمات أخرى , وقد
تجعل منه بطلا قوميا نقل بلاده من الإستبداد إلى الديموقراطية الحقيقية , وقد تجعله
شخصا أعطى للناس حلما ورديا ثم انسحب عند مواجهة الشدائد وتركهم في ظلمات لا يبصرون
.
وربما تساعدنا هذه التأملات في شخصية البرادعي في ضبط إيقاع توقعاتنا منه فلا نبالغ
(تحت تأثير القهر والإحتياج واليأس) في تصويره كبطل أسطوري ومخلص جاء ليحل لنا كل
مشاكلنا ونحن هاهنا قاعدون (أو نائمون) , وفي نفس الوقت لا نغمطه حقه كرجل له تاريخ
مهني وشخصي مشرف وصل به إلى قمة العمل الدولي وإلى أرفع جائزة عالمية .
وستكون قراءتنا لملامح شخصيته مبنية على ما توافر من تفاصيل سيرته الذاتية وتاريخه
العلمي والوظيفي , والحوارات التي أدلى بها لوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة
والمرئية , إضافة إلى قراءة لغة الجسد لديه والتي تعبر عن أشياء قد لا تفصح عنها
اللغة اللفظية .
.jpg)
عبقرية الفكرة :
ترى من فكر في حضور البرادعي إلى مصر في هذا التوقيت ليربك الحسابات ويغير المعادلة
ويحرك المياه الراكدة ؟. لقد كتب أنيس منصور عام 2005 م يدعو البرادعي للعودة إلى
مصر في حالة عدم فوزه برئاسة الوكالة الدولية للطاقة للمرة الثالثة حيث كانت أمريكا
تعارض ترشيحه , ولكن ربما لم يدر بخلد الأستاذ أنيس منصور أن البرادعي سيحضر منافسا
على مقام الرئاسة , وإنما كان يدعوه كعالم مصري يفيد بلده بعلمه وخلقه وأمانته .
ولكن الدعوة الأساسية للبرادعي بشكل صريح لينافس على منصب الرئاسة يبدو أنها جاءت
من الأستاذ إبراهيم عيسى حيث تبنت صحيفة الدستور هذه الفكرة, وطرحها عيسى ومازال
يطرحها بقوة , وراحت بقية الصحف المستقلة تدعم هذا الطرح بقوة , وأصبحت صورة
البرادعي وأخباره تتصدر الصفحات الأولى لتلك الصحف بشكل يومي فيما يشبه صناعة
النجم.
وقد كانت المعادلة المطروحة قبل دخول البرادعي على الخط تتلخص في الخيار بين السلطة
الحالية وبين الإخوان المسلمين , وبما أن العالم الخارجي يخشى الإخوان ولا يريد
تكرار تجربة حماس , كما أن الأقباط في مصر يخشون وصول الإخوان إلى الحكم إضافة إلى
بعض القوى اليسارية والعلمانية , لذلك كان كل هؤلاء يسلمون على مضض ببقاء النظام
الحالي رغم كل المشاكل والنكبات , ورغم الجمود السياسي وانعدام فرص تداول السلطة أو
التغيير بأي درجة من الدرجات . وحين طرح البرادعي كبديل ثالث لا ينتمي إلى الحزب
الوطني ولا ينتمي إلى الإخوان المسلمين تغيرت المعادلة ولم يعد أحد يقول بأنه لا
بديل للسلطة الحالية إلا الإخوان إذن فلترضوا بنا رغم أنفكم . والبرادعي بديل منطقي
موضوعي , فهو شخص غير مستقطب , ويتمتع بسمعة ممتازة , وتاريخه نظيف بدرجة هائلة ,
وهو عالم كبير حصل على دكتوراه في القانون من أفضل جامعات أمريكا , وموظف دولي ناجح
وراق , وحاصل على أرفع جائزة دولية وهي جائزة نوبل , وهو شخص مفكر ومتوازن , ويعرف
كيف يقود المرحلة الإنتقالية التي تحتاجها مصر بشدة في هذه المرحلة للتوجه نحو حكم
ديموقر اطي حقيقي وسليم . وعمر البرادعي لن يغريه بالطمع في الإستمرار في السلطة ,
كما أن ابنه ليس له اهتمامات بالسياسة , إذن فلا خوف من احتمالات التمديد أو
التوريث , كما أن ثقافته القانونية , وتشبعه بالقيم الديموقراطية التي عاش في ظلها
في الغرب يجعله الشخص المناسب جدا لهذا الدور في هذه المرحلة . وكونه جاء من خارج
المنظومة الحزبية (سواء موالية أو معارضة) يعتبر ميزة إذ هو لم يتلوث بمخلفات الوضع
المصري المضطرب والمتأزم والمتلوث منذ سنوات , كما أنه مناسب أن تلتف حوله القوى
المختلفة من اليمين إلى اليسار مرورا بالوسط , فالرجل لديه قبول حقيقي لفكرة
التعددية عبر عنها في أحاديثه , وأنه يؤمن بالسماح لكل أطياف المجتمع وتياراته أن
تتفاعل في جو من الشفافية والقبول والشرعية , وألا تستبعد أي طائفة أو فئة أو جماعة
من المنظومة الوطنية .وقد أظهر وجود البرادعي عوار المادة 76 من الدستور , إذ أن
هذه المادة عمليا تمنع شخص متميز جدا مثل البرادعي من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية
, إذن فمن يستحق الترشح ويستطيعه إن لم يستطع شخص بقامة البرادعي وقيمته ؟ . وقبل
مجئ البرادعي كان الحديث يدور حول عدم وجود شخص مناسب لشغل هذا المنصب الرئاسي
الرفيع , ولما حضر البرادعي سقط هذا الإدعاء سقوطا مدويا إذ نحن أمام شخص يشرف أي
بلد في العالم أن يقوده هذا الشخص .
.jpg)
مفتاح شخصيته :
لكل شخصية مفتاح إذا عثرنا عليه أمكننا تفسير كثير من أفكار وسلوكيات وردود أفعال
هذه الشخصية , وإذا أردنا معرفة مفتاح شخصية البرادعي فهو "القانوني" المتوجه نحو
رعاية الحقوق والحفاظ عليها وفق ضوابط وقواعد القانون . بمعنى أنه نشأ في أسرة بها
عدد كبير من القانونيين أو الذين يعملون في مجالات تتصل بالقانون , ووالده كان
محاميا كبيرا ونقيبا للمحامين , وهو قد اختار دراسة القانون عن حب , وحتى حين التحق
بالسلك الدبلوماسي وسافر إلى أمريكا اتجه إلى دراسة القانون وحصل على الدكتوراه فيه
, وحتى عمله في الوكالة الدولية للطاقة فهو متصل بتطبيق القانون الدولي في مسألة
نزع وحظر السلاح النووي . وكونه قانوني جعله مدققا في كلامه وأفعاله , يختار كل شئ
بدقة وعناية ولا يتعجل في الأحكام أو القرارات أو الأفعال , وربما يبدو مترددا في
بعض الأحيان نتيجة حرصه على أن يستوفي المعلومات والقرائن والدلائل قبل أن يصدر
حكما , وهذه السمات (التدقيق والتأني والتردد أحيانا) قد يعزوها البعض إلى سمات
وسواسية في الشخصية , والسمات الوسواسية ليست مرضا وإنما هي طبيعة في بعض الأشخاص
الذين يتميزون بالحرص الشديد على النظام والدقة والإنضباط , ولديهم معايير أخلاقية
عالية , ولا يتعجلون في اتخاذ قراراتهم . وكونه قانوني يجعله يميل لجانب العدالة
والشرعية وضبط الحياة بضوابط القانون . والقانوني قد يمثل سمة "الأب الناقد" في عرف
نظرية التحليل التفاعلاتي لإريك برن , فهو يهتم بما يصح ومالا يصح , ويرصد الشذوذات
في السلوك ويعيدها ويضبطها وفق معايير القانون , ويضبط إيقاع السلوك وإيقاع الحياة
طبقا للقواعد والنظم المتعارف عليها لدى العقلاء . والبرادعي فعلا يحمل هذه السمات
ولكنه في ذات الوقت يحمل سمات الأب الراعي , وهذا يبدو في طيبته وسماحته الظاهرة ,
وربما يكون قد اكتسب سمات الأب الراعي من كونه الإبن الأكبر لأبويه , والأخ الأكبر
لإخوته . وحتى عمله في الوكالة الدولية للطاقة كان يتكون من شقين , يعرف الناس الشق
الأول منهما وهو التفتيش على المنشآت النووية المخالفة للمعاهدت وقواعد القانون
الدولي , ولكن الشق المجهول هو ذلك الجهد الذي تبذله الوكالة لمساعدة الدول الموقعة
على معاهدة منع انتشار السلاح النووي لكي تطور برامجها النووية السلمية لتوفير ما
تحتاجه من الطاقة . وهو لم يكن يميل إلى الإجراءات العقابية في التعامل مع الدول
المخالفة وإنما كان يدعو إلى الحلول السلمية والتوافقية .
ونلمح صفة "القانوني" (ذات الشق النقدي والشق الرعائي) في البيان الذي أصدره
البرادعي ونشر في أكثر من صحيفة مستقلة يوم 12\3\2010م معربا فيه عن استيائه من
تعرض أحد مؤيديه في الفيوم وهو الطبيب طه عبدالتواب الذي تعرض للإهانة والتعذيب على
يد أحد الضباط (والقضية الآن قيد التحقيق بأمر من النائب العام) , فقد قال في بيانه
: "إنني أدين بأقوى الكلمات ما تعرض له هذا المواطن البرئ من اعتداء همجي , وما قد
يتعرض له أي مواطن آخر يعبر عن رأيه بالوسائل السلمية , سواء بالقول أو الفعل ,
وأود أن أنتهز الفرصة لأعبر عن تضامني الشخصي وغير المحدود مع الدكتور طه عبدالتواب
ومع كل مواطن حر مخلص حريص على عزة بلاده وكرامتها , وأعلن استعدادي التام لبذل كل
ما أستطيع من جهد للدفاع عن حقه في التعبير عن رأيه وحلمه في وطن آمن ومتحضر ,
وأطالب السلطات المعنية بتقديم مرتكب هذه الجريمة البشعة إلى القضاء العادل ليلقى
الجزاء الذي يستحقه .... وأود في النهاية أن ألفت انتباه الجميع إلى أن اللجوء إلى
هذه الأساليب غير المتحضرة يعد انتتهاكا صارخا لكل الأعراف والقوانين الدولية ويعرض
مرتكبيها للمساءلة أمام المحاكم الوطنية " , ويتضح من هذا البيان توجهه الأساسي نحو
رعاية الحقوق والحفاظ عليها تحت ضوابط القانون .
وقد برزت صفة "القانوني" لديه إبان أزمة العراق ومشكلة وجود أو عدم وجود سلاح نووي
لديه , وقد قامت الوكالة الدولية للطاقة برئاسة البرادعي ببحث الموضوع والتفتيش في
أنحاء العراق ثم صدر التقرير التاريخي الشجاع بخلو العراق من الأسلحة النووية , وقد
كان تقريرا صادما لأكبر قوة دولية وهي أمريكا حيث كانت تحتاج لغطاء يعطيها الشرعية
في تدميرها للعراق , ولكن الرجلان الشجاعان البرادعي وهانز بليكس وقفا في الأمم
المتحدة وفي جلسة تاريخية يعلنان خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل .
وكونه قانوني فهو لا يداهن الجماهير سعيا نحو شعبية بأي ثمن (كما يفعل السياسيون
البراجماتيون) , ولا يتلهف على الأضواء الإعلامية ليحقق شهرة يسخرها لتسويق أفكاره
أو سياساته .
وصفة "القانوني" لديه تجعل الناس أمامه سواسية , والمعيار لديه هو التزام الأشخاص
أو عدم التزامهم بالقانون , وقد تعود في ممارسته المهنية أن يلقى رؤساء دول كبيرة
وصغيرة , وأن يقابل المستبدين والطغاة والجبابرة من الحكام , ولم يكن يخشى أحدا
منهم ولا يضع اعتبارا إلا لموافقة سلوكهم وسلوك دولهم لنصوص المعاهدات ومواد
القانون الدولي . إذن فهو يقف موقف القاضي الذي لا يرهب المجرم الذي يحاكمه حتى ولو
كان من عتاة الإجرام , ولا يستجيب في ذات الوقت لضغوط سلطوية فوقية مهما كان مصدرها
.
ولأنه رجل قانون فقد تعلم طوال حياته المهنية أن يكون محايدا وأن لا يسمح لمشاعره
أن تؤثر على ردود فعله أو قراراته , وقد ظهر هذا عمليا أثناء لقاءاته الإعلامية مع
أحمد المسلماني وعمرو أديب ومنى الشاذلي , فعلى الرغم من وضع ألغام في الحوار , أو
بعض الأسئلة المستفزة أو التهكمية إلا أنه لم يكن يأخذ هذه الأشياء بشكل شخصي يدفعه
للإنفعال أو الشعور بالإعتداء على مكانته الرفيعة بل كان دائما يرد بأدب وترفع
القاضي العادل النزيه .
جذوره وعلاقاته العائلية :
ينحدر من أسرة عريقة تمتد جذورها إلى بلدة أبيار مركز كفر الزيات محافظة الغربية ,
وهي بلدة تضم عددا كبيرا من كرام الأسر المصرية . وهو أكبر أبناء الأستاذ مصطقى
البرادعي نقيب المحامين الأسبق وصاحب المواقف الوطنية في العمل النقابي حيث واجه
رجال الثورة في مراحلها الأولى بسبب حرصه على تكوين نقابة قوية في صورة ديموقراطية
سليمة وقد سبب له هذا مشاكل كثيرة ومع هذا لم يتراجع عن مبادئه وعن مواقفه .
والدكتور البرادعي له أربعة من الإخوة والأخوات يصغرونه وهم على الترتيب : الدكتور
طارق (يعمل بصندوق التنمية الكويتي) , والدكتوره منى (أستاذ الإقتصاد والعلوم
السياسية بجامعة القاهرة) , والدكتور علي (مدير إحدى شركات النشر) , والدكتوره ليلى
(أستاذ الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة) .
ويبدو أنه كان متأثرا بوالده لذلك اكتسب منه الكثير من الصفات مثل التواضع والبساطة
مع االإصرار الشديد في الحق والمثابرة للوصول إليه . وعلاقته بأمه وإخوته علاقة
قوية تتبدى بارتباطه الدائم بهم رغم كثرة مشاغله وزياراته المتكررة وسؤاله عنهم ,
وربما يعود ذلك إلى كونه الأبن الأكبر , وهذا الترتيب بين الإخوة والأخوات يعطيه
سمات الأبوة من النضج والإحساس بالمسئولية والرعاية , وقد قام بدور الأب فعلا بعد
وفاة والده عام 1977م .
وهو متزوج من سيدة تنتمي أيضا إلى إحدى الأسر العريقة في مصر وهي السيدة عايدة
الكاشف , وله ابن (مصطفى , ويعمل مهنس صوت بإحدى المحطات الفضائية) وابنه (ليلى ,
وتعمل محامية في لندن) .وتصفه أخته ليلى بأنه يتميز بخفة الدم وروح الفكاهة , ومع
ذلك كان بمثابة القدوة والأب لإخوته , وكان يتوق لاستشعار دفء العائلة خاصة في شهر
رمضان .
.jpg)
شخصية والده وأثرها عليه :
يتحدث الدكتور محمد البرادعي عن والده بإعجاب شديد , وهو محق في ذلك , فوالده هو
الأستاذ مصطفى البرادعي , وكان نقيبا للمحامين , دخل في مواجهات مع الرئيس
عبدالناصر والرئيس السادات دفع ثمنها غاليا ومع ذلك لم يتراجع , فهو كما يقول
الدكتور محمد البرادعي كان شخصا يؤمن تماما أنه لا أمل لمصر بدون حرية وديموقراطية
, وأن الشخص لابد أن يكون هو صاحب القرار , وأن الحاكم هو وكيل عن الشعب . ويصف
والده بأنه كان خفيض الصوت , خجولا جدا , وكان أيضا مدافعا صعبا عن آرائه طوال
حياته , وحتى توفي لم يحيد قيد أنملة عن قول الحق , وكان يطالب في كل مناسبة بضرورة
حرية الصحافة والديموقراطية وتعددية الأحزاب , وطبعا هذا أغضب النظام الناصري
وعبدالناصر الذي كان يفعل العكس من هذا تماما , نظام سلطوي يقوم على الحزب الواحد
والفكر الواحد . وقد فقد منصبه كنقيب للمحامين بسبب تلك الآراء , ولكن أعيد انتخابه
مرة أخرى . وقد دخل في مواجهة أخرى مع السادات حين أعلن الأخير عن فكرة القضاء
الشعبي , وكان الوالد مصطفى البرادعي يرفض فكرة القضاء الشعبي ويرى أنها مثل محاكم
القيم وقانون العيب تصب كلها في نهاية المطاف في تمكين الحاكم من أن تكون له سلطة
مطلقة .. وعبر عن رأيه بصراحة في مواجهة السادات بأن القاضي لابد أن يكون خريجا
لكلية الحقوق , والقضاء له قدسية معينة , ولا يمكن أن نخلط بين السلطات . ويقول
الدكتور البرادعي عن تجربة والده : " أنا أحمل تقديرا كبيرا لما قام به , حتى وإن
خسر قضيته في ذلك الوقت , ولكن كسب نفسه وكسب مصداقيته . تعلمت منه أن الشخص لابد
أن يعبر عن رأيه أيا كان بشجاعة وبصراحة طالما أنه يقف على أرض صلبة , وطالما أنه
ليس لديه أجنده خاصة " (عن مقابلة تليفزيونية في برنامج العاشرة مساءا 12 فبراير
2009 م ) .
هويته :
بعض الناس يبدون قلقهم تجاه هوية الدكتور البرادعي فيقولون : "على الرغم من أنه
مصري نشأ وقضى طفولته وصباه وجزءا من شبابه على أرض مصر , إلا أن جزءا كبيرا من
تعليمه وثقافته تم صياغته في الغرب , وقد عاش سنوات طويلة من عمره في المجتمعات
الغربية وتشبع بعاداتها وتقاليدها وثقافتها , ولم يعش الحياة المصرية بمشاكلها
وهمومها , ولم يتشبع بالثقافة العربية والإسلامية , وأن تصريحاته تعكس توجها
إنسانيا عاما يخلو من روح الهوية المصرية أو العربية أو الإسلامية , وبالتالي فهو
قد لا يتحمس للقضايا الوطنية أو القومية أو الأممية بقدر حماسه للقضايا الإنسانية ,
وهو بالتالي يستطيع أن يلعب دور المصلح الإنساني وداعية السلام العالمي ولا يصلح
لدور رئيس لدولة مصرية عربية إسلامية" .
وقد يكون بعض ذلك صحيحا , ولكن البعض الآخر يحتاج لتصحيح , فالشخص يكتسب الهوية منذ
السنوات المبكرة من عمره , ثم تتشكل بصفة راسخة عند مرحلة المراهقة وما بعدها من
بواكير الشباب , وقد كان البرادعي في تلك المراحل يعيش في أحضان الثقافة المصرية
العربية الإسلامية , وهو حين التحق بالعمل في الخارجية كان يعمل في إطار تحقيق
المصالح الوطنية لسنوات ممتدة , إذن فهو ليس بعيد عن ثقافته الأصلية وليس غريبا عن
مصالح وطنه . أما فترة عمله كموظف دولي فقد أكسبته رؤية أوسع للمصالح وهي مصالح
البشر عموما بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو الدين , وهي رؤية إنسانية منضبطة
بضوابط الشرعية والقانون , وهي ليست عيبا فيه بل هي ميزة كبرى , وهي لا تتعارض مع
قدرته على الحفاظ على مصالح أهله وذويه ووطنه , فالذي يدافع عن حقوق ومصالح الغرباء
لا يتصور أنه يضيع حقوق ومصالح الأقربين . وقد كان طوال حياته على صلة جيدة بعائلته
وأصدقائه وبني وطنه , ولم يعرف عنه تنكره لثقافته الأصلية ولا انبهاره بالثقافة
الغربية كما فعل كثيرون ممن لم يغادروا أرض مصر ولكنهم يحطمون الثقافة المصرية
العربية الإسلامية ويعلون من شأن الثقافة الغربية .
.jpg)
سماته :
يبدو هادئا وبسيطا ومتواضعا , وفي ذات الوقت يتمتع بقدر هائل من الكبرياء وعزة
النفس والترفع عن الصغائر , وطول قامته يعطيه مهابة لا تخطئها العين , وحين يتحدث
تخرج الكلمات هادئة وموضوعية , فهو لا يميل إلى العبارات الضخمة والشعارات الرنانة
والكلام الكبير . وإذا أردت أن تراه شخصا مصريا ريفيا فلك ذلك حين تنظر إلى وجهه
وتتخيله يلبس جلبابا ريفيا , وإذا أردت أن تراه باشا كبير فانظر إلى وجهه وهامته .
وهو يجمع بين صفات رجل القانون وصفات العالم وصفات الحالم وصفات السياسي في ذات
الوقت . وهو شديد الأدب , وقور لا يستدرج لسفاهات أو تفاهات , ولا يسهل استفزازه أو
دفعه لردود غير محسوبة , وقد ظهر هذا واضحا في لقاءاته بعمرو أديب ومنى الشاذلي
وأحمد المسلماني , إذ على الرغم من الأسئلة الصعبة التي وجهت إليه وعلى الرغم من
الألغام التي وضعت له في الحوارات وعلى الرغم من نصب أكثر من فخ له إلا أنه كان
يخرج منها جميعا بطريقة مهذبة وسلسة , وكان يتحمل الكثير من الأسئلة المستفزة ,
ومحاولات التثبيط ومحاولات السخرية ويظهر في النهاية نبيلا شريفا . ومعروف عنه
الهدوء والصبر وطول البال . ويبدو أن طبيعة شخصيته الهادئة , مع انشغالاته الكثيرة
جعلته لا يميل كثيرا إلى الإنخراط في النشاطات الإجتماعية وهذا ما كان يشكوه بعض
المصريون المقيمون في النمسا . ومعاييره الأخلاقية مرتفعة للغاية وهذا ما يؤكده
"ديفيد ويلز" أحد كبار معاونيه ويعمل معه منذ أكثر من عشرين عاما حيث يصفه بأن حسه
الأخلاقي عال جدا , وأنه يتصرف من واقع كونه مسئول كبير ذو مزايا فكرية رفيعة .
ويصفه آخرون عملوا معه أيضا لسنوات طويلة بأنه : نزيه وحاد الذكاء ومنظم وجاد وملم
بتفاصيل كل ملف من الملفات .
وفيما يلي نوجز سماته الأساسية :
- متواضع في كبرياء: من أهم سمات البر ادعي
تواضعه مع حفاظه على كبريائه، فهو يقترب كثيرا من الإنسان المصري العادي البسيط في
كلماته وتعبيراته وتصرفاته، فبالرجوع لحواراته نجده يقول: "التجربة لو نجحت سيكون
المصريون الذين أيدوني هم من نجحوا معي وإذا فشلت فعلى الأقل نكون قد حاولنا معا من
أجل التغيير". وفي نفس الوقت يمكنك أن تراه أحد العظماء والنبلاء حين قال: "سأهين
كرامتي لو ذهبت للجنة شئون الأحزاب لكي أنشئ حزباً، فرئيس اللجنة هو أمين الحزب
الوطني، هذا مهين لكرامتي"، ولعل اجتماع هاتين الصفتين في شخص البرادعي هو ما جعله
صالحا لأن يكون محركا للأحداث ورمزا للتغيير لأن من تتحقق في شخصيته تلك المعادلة
الصعبة فهو أصلح من يقوم بالتغيير.
.jpg)
- هادئ: لا يستجيب للاستفزاز ولا ينزلق وراء
محاولات إثارة انفعالاته أو السخرية منه والاستهانة بقدرته على التغيير، فعلى الرغم
من فهمه العميق لكل تلك المحاولات كانت ردوده هادئة مهذبة ومنطقية وهذا دليل على
توازن شخصيته وأنه شخصية مستقرة انفعاليا، فعلى الرغم من عدم التزام بعض المحاورين
بالأسلوب اللائق في الحديث معه إلا أنه لم يقع تحت تأثير انفعالاته.
- مفكر: يعرف ماذا يريد وكيف يصل لما يريد،
عقله منظم جدا يعرف كيف يعرض أفكاره في تسلسل منطقي -ربما لدراسته القانون وعمله في
وزارة الخارجية أو ربما لرئاسته إحدى أهم الوكالات الدولية، نجد هذا واضحا في قوله:
"قوتي هي فكرتي وهي فكرة لابد أن تحدث وهي التغيير الذي حان وقته الآن".
- مصلح: فلديه كل ما يحتاجه شخص ليكون مصلحا،
لديه الفكرة ولديه روح التغيير دون أن يمتلك أي قوات عسكرية أو مساندات خارجية،
مؤمن بدوره الإصلاحي فلم يكن ذكره لنموذجي مانديلا وغاندي وليد الصدفة، إنما هو
نابع من إيمانه بقدرة المصلح على التغيير، فغاندي الرجل الهندي الفقير الذي لم يكن
يملك أي قوات عسكرية أو مادية استطاع أن يهزم الإمبراطورية البريطانية، وكذلك الحال
لمانديلا الذي قضي 28 عاما من حياته في السجون استطاع أن يمسك الحكم ويتركه فيما
بعد طواعية ليعطى نموذجا يحتذي به، ولم يملكا أكثر مما لدي البرادعي من فكرة وروح
تدعم التغيير.
- ذكي: يظهر ذكاؤه في اختياره للزمان والمكان
الذي يعرض فيه فكرته للتغيير، فقد جاء البرادعي بحصانات كثيرة منها جائزة نوبل،
قلادة النيل، ورئاسة وكالة الطاقة الذرية، بالإضافة إلى توازن شخصيته وتقبله
لتعددية التيارات الفكرية وعدم تحيزه لأي منها، كل هذا جعله أكثر قبولا لدى
الكثيرين، ليس ذلك فحسب بل إن اختياره لهذا التوقيت الذي تحتاج فيه مصر إلى التغيير
هو أيضا انعكاسا لذكائه وحنكته.
- دقيق: نظر إليه البعض على أنه متردد، لا
يستطيع التعبير عن أفكاره بسهوله وبرهنوا على ذلك بأنه لم يتحدث بطلاقه وكان يستغرق
وقتا ليعبر عما يريد، وكان يتهته أحيانا , بل وذهب البعض لتفسير هذا بالقول إن
ثقافته وأفكاره غربية فكيف يعبر عنها بالعربية؟، على الوجه الآخر قد يكون هذا دليلا
على دقته فهو كرجل عمل بمنظمات دولية يعي تماما أن كل ما يقوله محسوب عليه لذا
فعليه تحرى الدقة في اختيار كلماته لكي تعبر عما يريد بالضبط.
قراءته للواقع الدولي :
يبدو جليا أنه يجيد قراءة الواقع الدولي , وقد اتضح ذلك في أثناء ترشحه لمنصب مدير
وكالة الطاقة النووية ثلاث مرات على التوالي , وفي المرة الأولى لم ترشحه مصر ورشحت
محمد شاكر بدلا منه , ولم ينجح محمد شاكر (وفي هذا دليل على ضعف قراءة من رشحوه) ,
وترشح البرادعي مستفيدا من الدعم الإفريقي ونجح , وعاود الترشيح بعد ذلك ونجح على
الرغم من معارضة قوة ضخمة مثل أمريكا لترشيحه .وربما لا يعلم الكثيرون مدى صعوبة
تبوء مكانة دولية كالتي شغلها البرادعي اثني عشرة سنة متواصلة على الرغم من تخلي
مصر (بلده) عن تأييده , وهذا يدل على سمة هامة في شخصيته وهي أنه يتمتع بقدر عال
جدا من الذكاء والقدرة على رؤية الواقع والتخطيط الجيد , وحشد التأييد لدرجة أنه في
المرة الأخيرة فاز بالإجماع , وهذا أمر مستغرب في التصويتات الدولية . ولو قارنا
نجاحه المتكرر بفشل اسماعيل سراج الدين في انتخابات اليونسكو وفشل فاروق حسني بعد
ذلك على الرغم من تأييد مصر والعرب لهما لعرفنا الفرق بين ما يفعله شخص مثل
البرادعي وحيدا وينجح وما تفعله دول ومؤسسات بكل ثقلها وتفشل . وقراءة الواقع
االدولي وعمل التربيطات والتكتيكات ليس بالأمر الهين إذ يحتاج لمهارات يبدو أننا في
مصر نفتقدها والمثال الصارخ على ذلك هو صفر المونديال الذي حصلنا عليه رغم كثرة
الصخب عن ريادة مصر وأهميتها وتمتعها بجو ساحر وأنها تمتلك 40% من آثار العالم ,
ومع هذا لم نحصل على نقطة واحدة في التصويت وفازت جنوب إفريقيا بفرصة إجراء
المونديال على أرضها .
سر قوته :
كانت منى الشاذلي تحاوره في لقاء يستحق التوبة منها فقد حاولت أن تكسر مجاديفه ,
وأن تثنيه عما براسه , وأن تعيد إليه رشده , وتصرفه عما هو مقبل عليه فراحت تقلل من
احتمالات نجاحه في تحقيق أي تغيير وترهبه (أو تنبهه) لما ينتظره من صعاب وأهوال ,
ولم تكتف بذلك بل مارست ضغطا واضحا على المشاهدين المتصلين الذين اتصلوا أثناء
الحلقة , وقامت بدور ناظرة المدرسة التي تعيد الرشد للجانحين المتهورين , وفي لحظة
فاصلة سألته عن ما يمتلك من القوة للتغيير فقال لها بوضوح وحزم : "قوتي في فكرتي" ,
وربما تشكل هذه الكلمة فلسفة البرادعي في الحياة ومفتاح نجاحاته , فهو عالم ومفكر
وحالم وقارئ جيد لتاريخ حركات التحرر والإصلاح خاصة في الهند وجنوب إفريقيا , ويعرف
معنى القوة الناعمة التي كان يمثلها غاندي ومن بعده نيلسون مانديلا , وقد كانا لا
يملكان نفس القوة التي يملكها الطرف الآخر في الصراع ومع ذلك انتصرا في النهاية
وحققا لشعوبهما أهداف التحرر والنهضة .
وقد التقط الكاتب الكبير أنيس منصور في 14\3\2005م مصادر القوة في شخصية البرادعي
وذلك قبل فوزه للمرة الثالثة برئاسة الوكالة الدولية للطاقة : "ممكن جدا أن لايفوز
د. محمد البرادعي برياسة ثالثة لهيئة الطاقة الذرية فهذا إصرار أمريكي . وأمريكا
مصممة على التخلص من البرادعي كما تخلصت من د. بطرس غالي سكرتير عام الأمم المتحدة
, ولنفس السبب . أما السبب فهو أنه ليس ذيلا ولا طرطورا لسيدة كوكب الأرض . وقد
لمحت وصرحت والرجل ودن من طين والثانية من طين أيضا ! , فالبرادعي رجل عالم على خلق
, أي رجل عنده ضمير . ولأن لديه ضمير فلم يستطع أن يكذب ويقول أن لدى العراق وسائل
الدمار الشامل ..... إذن وداعا محمد البرادعي وأهلا به في مصر , فنحن محتاجون إلى
عالم على خلق كريم يستحق المكافأة من بلاده وكل الدول العربية . وفي بلادنا متسع
للإستفادة من رجل متواضع بسيط , ولكنه أقوى من أمريكا بخلقه وإيمانه بالحق والعدل
والسلام . فأهلا بالبرادعي عالما مصريا .. نحن أحوج إليه من الأمم المتحدة , وأرجو
ألا تفوتنا هذه الفرصة التاريخية كما فاتت فرص أخرى لعلماء مصريين مخلصين جاءوا
وعادوا لأن أحدا لم يلتفت إليهم " .
وفي رده على استفسار حول خضوعه وخضوع الوكالة للضغوط الدولية وخاصة من الولايات
المتحدة رد بوضوح وبصراحة وأكد أنه فعلا قد تعرض لضغوط إلا أنه لا يستجيب لهذه
الضغوط ولا يعمل لحساب دولة دون الأخرى , بل يعمل من أجل مصلحة الجميع .
منطق المعارضين له :
بعض الناس يهاجمونه بشدة ويرون أنه ساهم في تدمير القوة النووية الناشئة في العراق
, وقام برقابة شديدة على كثير من دول العالم حتى يحرمها من حلم امتلاك السلاح
النووي وذلك لحساب قوى القهر والإستكبار في العالم والتي تريد أن تمتلك هي القوة
وتمنعها من الآخرين . ويتهمه البعض بأنه تشدد في التعامل مع إيران , وتساهل جدا مع
أسلحة إسرائيل النووية . وعلى العكس كانت واشنطن تردد أنه ضعيف ومتساهل أمام كوريا
الشمالية وإيران , ولم تتنس إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الحرج الذي سببه لها
البرادعي حين أعلن في مجلس الأمن , قبل شن الحرب على العراق , عدم وجود أسلحة نووية
في العراق .وكانت أمريكا شديدة الحنق عليه لأنها أيدته كمرشح لرئاسة الوكالة
الدولية للطاقة الذرية عام 1997م في مواجهة المرشح الرسمي لمصر , السفير محمد شاكر
, ومع هذا لم ينصاع البرادعي لرغبات أمريكا وتوجهاتها , وأثبت صلابة في موقفه كرجل
قانون محايد . ورغم كل هذا شكك أحد الإعلاميين المصريين الكبار في انتماءات
البرادعي , وقال في حديث صحفي بأنه لا يعتقد أن البرادعي وصل إلى هذا المنصب لولا
انتماءاته الثقافية الغربية , والتي ليس أقلها الجنسية النمساوية التي يحملها .
والبعض يقول بأن حضور البرادعي لمصر في هذا التوقيت ربما يكون بإيعاز أو مباركة من
الغرب على أساس أنه خيار معقول للغرب فهو رجل تربى على القيم الديموقراطية الغربية
وهو يشكل بديلا معقولا ومأمونا بعد أن زاد السخط على الأوضاع القائمة , وهو في نفس
الوقت أفضل للغرب من الإخوان المسلمين الذين ربما يصلون إلى السلطة في حالة انفجار
الحالة القائمة .
ويرد البرادعي على معارضيه بأنه يقوم بالتفتيش على البرامج النووية فقط للدول التي
وقعت على معاهدة حظر الأسلحة النووية , وانه لا يحق له التفتيش على إسرائيل ببساطة
شديدة لأنها لم توقع على تلك المعاهدة , إذن فهو يطبق القانون وشروط المعاهدت التي
وقعت عليها هذه الدول مثل العراق وإيران . وبخصوص جنسيته فقد ذكر أنه لا يحمل إلا
الجنسية المصرية , وبخصوص تأييد الغرب له – إن حدث فعلا – فهو لا يعني أنه مدعوم من
الغرب أو أنه صناعته بقدر ما يعني أنه بديل مأمون ومقبول في نفس الوقت وفي هذه
المرحلة .
رؤيته الإصلاحية :
نستخلصها من مقتطفات من تصريحاته وأحاديثه لوسائل الإعلام
المختلفة كالتالي :
"التعليم هو الركيزة الأساسية لتقدم المجتمع" ... "هناك الكثير من المفاهيم التي
لابد أن نعيد النظر فيها , فالحياة قائمة على التغير , لابد أن نتغير لأن الحياة في
تطور مستمر. لا يمكن أن نقف عند مفاهيم ربما كانت ذات معنى منذ 50 عاما , ولكن ليس
لها معنى الآن " ... "الحكم الرشيد يعني أن يكون هناك عملية تخطيط , أن تكون هناك
مشاركة من الشعب , أن يكون هناك احترام للقانون , وقدسية للقضاء , وفرص اقتصادية ..
أن يكون هناك عملية تركيز على ما يطلق عليه التنمية الإنسانية .. المعايير مترابطة
, إنما لابد أن يكون لي رؤية تحدد في أي اتجاه أسير " .. " في العالم العربي وصلنا
إلى الحضيض .. إضافتنا إلى الحضارة الإنسانية في الأدب والعلم والثقافة غير موجودة
. اليوم تقيم الدول ليس على أساس عدد جنود جيشها أو عدد الدبابات , وإنما ما تقدمه
للحضارة الإنسانية .. عدد الكتب التي يساهمون بها .. عدد العلماء .. عدد المبدعين .
إضافتنا نحن في العالم العربي ككل للحضارة الإنسانية متواضعة للغاية في أحسن
الأحوال , وهذا يعود إلى النظام السياسي والإقتصادي والتعليمي .. كل هذا لابد من
إعادة النظر فيه " ... "المناطق العشوائية وصمة في جبين كل مصري , إن اخواننا من
المصريين يعيشون في حياة أقل ما يقال عنها أنها أدنى من المستوى الإنساني " ..."
عندنا موارد كثيرة مثل السياحة و وموارد الإنتاج يعني أن لدينا أرضا زراعية ولدينا
صناعة .. هناك دول كثيرة ليس لديها موارد على الإطلاق , ولا ربع موارد مصر ..
فاليابان ليس لديها شئ وكوريا ليس لديها شئ , ومع ذلك هما اليوم من أكثر الدول
تقدما .. الموارد يمكن للإنسان أن يخلقها سواء في مجالات الصناعة أو في مجالات
الخدمات أو التصنيع الزراعي أو في السياحة .. الموارد تعود في نهاية المطاف إلى
نوعية الإنسان .. دائما أقول أننا سنبدأ وننتهي بالإنسان .. أعط الإنسان الحق في أن
يعيش في حرية وكرامة وسلام , في هذه الحالة سينطلق الإنسان إلى أرحب الآفاق , فليست
المسألة مسألة موارد , إنها مسألة تكوين الشخص المصري .. مسألة تكوين الشخص العربي
" .. "عندما أنظر فأجد أن مشكلتنا ليست مشكلة صراع عربي إسرائيلي , بل أصبحت صراع
عربي عربي .. أصبحت مشكلتنا هي كيف نحقق السلام فيما بيننا كدول عربية .. هذا أمر
أكثر من محزن , اننا ليس لدينا رؤية مشتركة للعالم , الآن العالم كله يتجه إلى
التجمعات الكبيرة "
تأثير سماته الشخصية على خياراته المحتملة :
تأتي أهمية دراسة الشخصيات في معرفة استجاباتها وردود أفعالها في المواقف المختلفة
, وبمعنى آخر تعطينا قدرا من الرؤية التنبؤية لسلوك تلك الشخصيات . وإذا أردنا أن
نطبق ذلك في حالة الدكتور البرادعي فإن الخيارات أو المسارات الأكثر احتمالا أمامه
هي كالتالي :
1 – أن يرفض الإنضمام لحزب (وهو ما يعلنه حتى
الآن) حتى لا يستقطب داخل قوقعة ذلك الحزب وحساباته وصراعاته وانشقاقاته واختراقاته
وتصفياته , وأن يظل مستقلا ومترفعا فوق كل هذا خاصة وأن الأحزاب الموجودة أغلبها -
إن لم تكن كلها - أحزاب ورقية أو كرتونية أو هلامية أو ضبابية . وهنا ربما لايستطيع
أن يرشح نفسه لمنصب الرئاسة بناءا على تعقيدات المادة 76 من الدستور , ولا يبقى
أمامه غير النضال المدني من خلال دور الزعيم المنادي بالحرية والديموقراطية وحقوق
الإنسان , ويظل رمزا للتغيير والإصلاح السلميين مهما طال الزمن , وهنا يسير على خطى
كل من غاندي ومانديلا , وقد ذكرهما في أحاديثه مما يدل على وجودهما في طبقات وعيه ,
وربما يكون دوره في مصر مثل دور مصطفى كامل وسعد زغلول ومحمد فريد وغيرهم من
الزعماء الذين أيقظوا الوعي أكثر مما غيروا الأوضاع .
2 – أن يتراجع عن تصريحاته السابقة بشكل براجماتي يستدعيه
الوضع السياسي على الأرض ويعلن انضمامه لأحد الأحزاب لكي يتمكن من
الترشيح لمنصب الرئاسة , ويدخل الإنتخابات فعلا , ويتم تزويرها أو تفصيلها , فيظهر
أمام العالم بلا شعبية فيضطر إلى الإنسحاب والعودة إلى أسرته وحياته الشخصية التي
اعتادها ويعيش في سلام بعيدا عن صخب وتعقيدات والتواءات وتعرجات وانحناءات لعبة
الحياة المصرية .
3 – أن ينسحب مبكرا تحت تأثير ضغوط سلطوية أو مضايقات
أوتلفيقات أو ضرب تحت الحزام بشدة لم يتعود عليها ولا يحتملها (خاصة
وأنه قد تعود على الحياة السلسة المحترمة وعلى السلوكيات الشفافة المنطقية التي
تحكمها القوانين والأعراف الدولية) , وقد يغطي هذا الإنسحاب بظروف صحية موجودة
حاليا أو تنشأ تحت تأثير الضغوط والحصار واللعبة غير الشريفة التي لا يجيدها ولا
يمتلك أدواتها . وربما تلعب أسرته دورا في الضغط عليه ليسير في هذا الإتجاه حيث
يقنعونه بأنه يستحق الراحة بعد عناء مشوار طويل من العمل الدولي الناجح والمشرف ,
وأنه لا يجب أن يغوص في وحل الحياة المصرية خاصة إذا وجد سلبية وخذلانا من المصريين
.
4 – أن يتم اغتياله جسديا أو معنويا بواسطة مجهول
ليخرج من المعادلة وتعود الحسابات لسابق عهدها قبل أن يربكها بظهوره .
وبناءا على التركيبة الشخصية للبرادعي التي تناولناها نحاول أن نرى أي المسارات
سيسلك وأي الخيارات سيختار . هو من ناحية شخص صبور ومثابر ويعرف ماذا يريد ويسعى
نحو تحقيق أهدافه بدأب شديد ولا يتراجع أبدا , وهو يعرف من خبرته الطويلة أنه
سينتصر في النهاية , وهذا واضح جدا من مسيرة حياته الوظيفية , ولكن من ناحية أخرى
نرى أن دأبه ومثابرته في أغلب حياته كانا في اتجاه بنائه كشخص وبناء مستقبله
الوظيفي وتحقيق طموحاته الشخصية , ولم تكن له مساهمات واضحة خارج دائرة النجاح
والتألق الشخصي في ظروف وظيفية منطقية ومواتية وشفافة , فهل ياترى سيظل قادرا على
الصبر والمثابرة والدأب والإصرار في العمل العام في مصر والتي تحكم الحياة السياسية
فيها قواعد غير شريفة في كثير من الأحيان , ولا تعطي للمكافحين والمثابرين ما
يستحقونه من نجاح , بل غالبا ما يكون العائد سلبيا ومؤلما إذا وجد أن عملهم يهدد
مصالح بعينها أو أنهم خارج نطاق الإحتواء والسيطرة .
إذن فالبرادعي يحتاج لتغيير برنامجه من السعي لتحقيق الأهداف الشخصية إلى السعي
لتحقيق أهداف عامة , وهذا يستلزم تحولا كبيرا في الحسابات والتوجهات , وربما يكون
البرادعي في هذه المرحلة العمرية قد تجاوز مبدأ اللذة ومبدأ الواقع وارتقى إلى مبدأ
الواجب وأصبح يرى سعادته ورضاه في التضحية من أجل الآخرين , وهي نفس النقلة التي
حدثت لشخصيات كثيرة عاشت تسعى نحو تحقيق أهدافها الشخصية وفي مرحلة ما تقرر العيش
من أجل الآخرين , والمثال القريب هو بيل جيتس الذي تفرغ في معظم حياته لتحقيق أكبر
إنجازات تقنية وأكبر ثروة مالية , ثم في وقت من الأوقات قرر التفرغ لمساعدة الفقراء
وللأعمال الخيرية .وقد يبدو هذا الخيار قائما في ذهن البرادعي خاصة حين يتحدث عن
العمل من أجل خير الإنسانية , وهو يرى أن عمله في الوكالة الدولية للطاقة الذرية
كان في هذا الإتجاه حيث سعى إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم من أجل
أن تزيد فرص السلام . وربما يحاول البرادعي استلهام روح أبيه الذي كافح هنا على أرض
مصر من أجل عمل نقابي شريف وحر وواجه رجال الثورة بقوتهم وبطشهم , وتحمل الضغوط من
أجل هدف مهني ووطني إبان عمله كنقيب للمحامين , وبذلك يكمل البرادعي ما ينقصه في
تاريخه من الإهتمام بالشأن المصري العام .
والدكتور البرادعي قد تعود أن يعمل في وظيفة محددة المعالم وأن يدقق فيها كثيرا
بعقلية المفتش القانوني , ثم يعود آخر النهار فيقضي وقتا هادئا مع أسرته الصغيرة
مبتعدا عن العلاقات الإجتماعية , فهل سيستطيع أن يغير هذه الطبيعة وينفتح على قضايا
غامضة وضبابية وملتوية ويعيش حياة اجتماعية مضطربة ومفتوحة ومحفوفة بالمخاطر ؟.
من المتوقع أن هذه الأمور دارت في ذهنه ودخلت في إطار حساباته , وطالما أنه قرر
دخول المعترك فلابد أنه عمل لهذه الأمور حسابها , فهو معروف بالدقة والتروي وحسن
التخطيط وامتلاك ناصية الرؤية الإستراتيجية والتكتيكية . وطبقا لطبيعته المتحدية
العنيدة فإن احتمالات إصراره على مواصلة المشوار ستكون أعلى , وهو سيلعب على الظروف
الداخلية المتعطشة للتغيير وعلى الظروف الدولية التي لا تحب مصادمة رغبة شعبية في
التغيير ولا تحب أيضا أن تترك الأمور تقع في أيدي قوى لا تطمئن لها , وربما يكون قد
حصل على تطمينات قوى داخلية وخارجية تجعله يتحدث بثقة ملحوظة عن التغيير وإمكانية
تحقيقه , فهو ليس بالسذاجة أو الإندفاعية التي تجعله يناطح النطام القائم دون قاعدة
داخلية مؤكدة وقبول خارجي مؤكد أيضا .
البيئة المستقبلة للبرادعي :
يعود البرادعي إلى مصر – وطنه الأصلي – بناءا على دعوات من فصيل من مثقفيها وأفراد
نخبتها , ويقبل بالدور الإصلاحي الذي دعي من أجله , ويضع نفسه في مخاطرة كبيرة إذ
أن الأمر ليس سهلا حيث عليه أن يقود عملية التغيير والإصلاح , وينشئ حياة
ديموقراطية حقيقية وسليمة , ويواجه كما هائلا من الفساد المتفشي في المجتمع , ويحقق
مبدأ التداول السلمي للسلطة , وينهي دكتاتورية الحزب الواحد الأبدي , وينهي أسطورة
الرئيس الأبدي , ويقف مساعي التوريث , وينهي حالة الجمود السياسي والتدهور
الإقتصادي والحضاري . إذن فمن الواضح أن البيئة المستقبلة للبرادعي مثقلة بأمراض
هائلة وتحتاج لطبيب بارع يشخص ويعالج تلك الأمراض , وهي بيئة بطبيعتها موجهة نحو
الفرد القائد الذي يملك مفاتيح التفكير ومفاتيح التخطيط ومفاتيح الفعل ومفاتيح
النصر, فقد تعودت أن تعتمد على الكبير القادر المخلص ليحل لها كل مشاكلها , وتعودت
أن يأتي الفعل من خارجها وأن لاتتحمل مسئولية التغيير ولا تبعاته . وربما تكون هذه
هي الأزمة الأكبر التي تواجه البرادعي (أكثر من أزمة السلطة القائمة التي يواجهها
بالتغيير) وهي التركيبة النفسية للشعب المصري والذي قضى سنوات طوال تعود فيها على
السلبية والإعتمادية وعلى أن يكون دائما تحت السيطرة وعلى أن يبتعد عن المشاركة في
الشأن العام وعلى أن يلقي بالتبعة على أي شخص إلا نفسه . إن أخطر ما ينتظر البرادعي
في مهمته الإصلاحية ليس الدكتاتورية أو استبداد السلطة , ولكن الشعب الذي ربما يقول
له كما قال بنوإسرائيل لموسى : "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون" , ولذلك
فهو يحتاج لأن يصرخ فيهم وينبههم إلى قول ذي القرنين للضعفاء الجهلاء المغلوبين على
أمرهم الذين طلبوا استئجاره ليحميهم من أذى يأجوج ومأجوج فرد عليهم مصححا ومحفزا :
"أعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما" .
نحن أمام بيئة مصرية تحتاج وتتلهف إلى العدل والمساواة والشفافية واحترام حقوق
الإنسان وإلى متطلبات الحياة الكريمة (وتلك مبادئ يؤمن بها البرادعي وينادي بها
ويعمل من أجل تحقيقها) , ولكن التركيبة النفسية المصرية تحتاج لجهد كي تصحح أفكارها
عن التغيير وكي تتأكد بأن التغيير لا يأتي بالأحلام ولا يأتي بالدعوات للصالح أو
الدعوات على الظالم , وإنما يأتي بمشاركة إيجابية تحت قيادة عادلة ومستقيمة وشفافة
ومخلصة وواعية وراعية , وأن أي تغيير لابد له من ثمن . وإذا لم يحدث هذا التغيير في
البيئة المصرية المستقبلة للبرادعي فقد يجد نفسه وحيدا مجردا من التأييد الشعبي
اللازم لعملية التحول , ولا يبقى أمامه وقتها إلا أن ينسحب , أو يتحول إلى فيلسوف
إصلاحي يكتب المقالات في الصحف ويتنقل بين الفضائيات ينشر أفكاره عبر الشاشات ولا
يجد أرضا تحمله .
دكتور \ محمد المهدي