نحو موسوعة نفسية إسلامية

 

 

 

النفس الإنسانية وأمراضها بين الطب والدين

د محمد عمر سالم

أستاذ الطب النفسي المساعد

جامعة كنت – بريطانيا

أمراض النفس من منظور الاسلام :

الطب النفسي بمفهومه الغربي مثله باقي فروع الطب البشري بالمفهوم الغربي العلماني ، مجال بحثه هو صحة وسلامة وسعادة الانسان في الدنيا فقط – هذا ان نجح في ذلك – لذا فهو لا يتعرض لبحث حياة الانسان في القبر ، أو البعث وعند الحشر والنشر والحساب والعقاب والجنة والنار . ولأنه طب لا يرتبط بالله فان قاعدته العقائدية مشوشة ومضلله ومنحرفة ، لذا فانه لا يمانع في إباحة الزنا والشذوذ الجنسي ويسمح بالإجهاض من غير ضرورة ، وهو يهتم بجسم الأطفال في الوقت الذي يتجاهل فيه حياتهم الأخلاقية والروحية ، مما أدى الى زيادة معدلات حمل الأطفال ، واستغلالهم جنسيا ، وما ينتج عن ذلك من مآسي ، مما يقدح في أمانته – أما الطب النفسي بالمرجعية الإسلامية فيبحث عن صحة وسلامة وسعادة الانسان في الدنيا والآخرة سواء بسواء ، لذا فلا عجب ان ثمرة هذا الطب النفسي بهذا المنظور حياة طيبة تدوم أبد الآباد ن فأين منه الطب الذي يعالج به الأجساد ؟ وهي معرضة بالضرورة للفساد في أقرب الآماد كما قال الغزالى قال الشاعر : يا خادم الجسم كم تشقي لخدمته وتطلب الربح فيما فيه خسران أقبل على النفس فاستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان وطبقا لتعاليم الاسلام فان الله قد جعل لكل داء دواء ، وانه سبحانه وتعالى هو الشافي ولكن المريض مأمور بالتداوي أخذا بالأسباب .

 

تاريخ الطب النفسي الغربي :

تأسس الطب النفسي في الغرب مع بدايات القرن العشرين على يد طبيب ملحد من أصل يهودي هو سيجموند فرويد ، والذي أثبتت دراسة سيرته الشخصية فيما بعد انه كان منحرفا في سلوكه وشاذا في نهمه الجنسي ولم تكن آراؤه المعادية للدين نابعة من علم أو ناتجة عن بحث منهجي ولكنها كانت مجرد آراء شخصية صاغها بطريقة أدبية ... حيث أعطى لحنا من القول – وتلقفتها بسرعة أجهزة الأعلام المشبوهه حيث وجدت فيها ضالتها وقامت ولمدة عقود طويلة من الزمان بالتعتيم على أي نقد علمي رصين يرد على نظرياته ، لذا فانه لا عجب أن تكون بدايات هذا الفرع من الطب بعيدة ، بل ومتناقضة مع الدين وأن تكون نتائجه مخيبه لكل الآمال . فمع مرور السنين فشلت نظرية التحليل النفسي في شرح وعلاج الأمراض النفسية واتضح لكافة الباحثين المنصفين أنهم يسيرون وراء سراب ... ومع انتصاف القرن المنصرم بدأت تظهر بعض العقاقير التي أدت الى تحسن بعض الأمراض العقلية وتعشم الكثيرون في أن يكون العلاج العقاقيري وهو الحل ، ولكن بالرغم من حشد كافة الجهود العالمية في هذا المجال بقيت النتائج محدودة ومتواضعة... ثم بدأ الجميع يعيد النظر وبدأت تظهر بعض البشائر الطيبة عندما تبني بعض المنصفين نظرية " النظرة الشمولية " للنفس وأمراضها حيث أن فشل الجهود السابقة كان مرجعها الى محاولة التعامل مع النفس – وهي كيان معنوي – بنفس الأساليب التي تتبع مع البدن وهو مادة لذا بدأت دراسة الأمراض النفسية على محاور متعددة تتضمن الجوانب الاجتماعية والأسرية والوظيفية بالاضافة الى الجوانب البيولوجية والنفسية ، وقد أدى ذلك الى بعض التقدم .. ومع أواخر القرن العشرين اتجهت أنظار الباحثين الى الدين وضرورة إدماجه مع العناصر الأخرى ضمن هذه النظرية الشمولية للنفس .. وكانت النتائج مذهلة .

في البداية ظهرت عشرات الأبحاث للاستطلاع الأولى ، ولما كانت النتائج الأولية ملفتة للنظر فسرعان ما تبعتها مئات الأبحاث ، وصلت مع بداية هذا القرن الى عشرات الآلآف. .. وكانت معظم هذه الأبحاث تقارن مجموعات من الناس والمرضى المتدينين مع نظائر هم من غير المتدينين بالنسبة لمعدل حدوث هذه المرض وشدتها وسرعة الاستجابة للعلاج وقد أثبتت هذه الدراسات النتائج الآتية :-

 

استخدام الدين في العلاج النفسي :

بداية أريد أن أنبه الى أن العلاج الديني لا يتعارض مع استخدام أنواع العلاج النفسي الأخرى والعلاج بالعقاقير والدخول للمستشفي والعلاج بالكهرباء إذا لزم الأمر فلانه لارتباط النفس بالجسم في فترة الحياة الدنيا ، فانه لا غرابه ان بعض الأمراض النفسية ينتج عن اضطراب في وظائف الدماغ وقد قال الرسول (ص) ان التلبية ( حساء من الشعير) تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحز .خلذا كانت بعض العقاقير تساعد على تحسن أعراض بعض الأمراض النفسية ، ولكن نظرا لطبيعة النفس الروحية فانه لا يكون العلاج كاملا ألا بالاضافة العلاجات النفسية ذات الأثر الروحاني وبهذا يكون العلاج الديني إضافة متميزة لتحقيق إعادة التوازن بين الجسم والروح ، ونظرا لان كل مريض له احتياجاته المتميزة لذا يحتاج كل مريض الى خطة علاجية ، تجمع العناصر المختلفة للعلاج بالطريقة التي تناسبه .

ونذكر فيما يلي أهم أنواع العلاج الديني المتبعة :-

(1)الإرشاد الديني : حيث يكون هناك مرشد ديني ضمن الفريق المعالج ، ويشارك في الخطة العلاجية يدعم الجانب الإيماني للمريض بطريقة مناسبة ، وتطبق هذه الطريقة في بعض مستشفيات بريطانيا ، حيث يوجد جهاز ديني كامل في كل المستشفيات ، كما تستخدم هذه الطريقة أيضا في بعض مستشفيات المملكة العربية السعودية .

(2)العلاج الديني الجماعي : من خلال جلسات متخصصة تستخدم فيها تقنيات العلاج الجماعي وتتم فيها مناقشة موضوعات دينية منتقاه تلائم المجموعة المعنية ( على سبيل المثال : الألم والمعاناة – معنى الحياة والموت – الأمل والتفاؤل .. الخ )

(3) العلاج الذاتي العلاج بدون معالج) ويتضمن الآتي :

العلاج عن طريق القراءة والاستماع : حيث ينصح المريض بقراءة كتب أو مقالات معنية تناسب احتياجاته يقترحها عليه المعالج ،ويشمل هذا النوع من العلاج الوسائل الإعلامية الأخرى ، كالاستماع الى أشرطة معينة الخ .

وقد أثبتت دراسة حديثة أن 32% من المعالجين النفسيين الأمريكيين يستخدمون هذه الطريقة .

كتابة مذكرات أو يوميات دينية :حيث يطلب من المريض أن يسجل بطريقة منظمة أية تجارب دينية ذات مغزى ، مثل شدة اتجاه الله منها ، أو دعاء مستجاب أو رؤيا تحققت أو كانت ذات معنى معين ، أفضال الله ونعمه الكثيرة عليه _سجل النعم) خواطر والهامات الخ.

حفظ نصوص مختارة : لاستخدامها عند الحاجة وبالذات في المواقف الصعبة والمثيرة للقلق ، وكذلك لإثارة الهمة والدافعية .

الصلاة والذكر والدعاء والرقي : وفي ذلك التعرض لرحمات الله وفيوضاته واستجلاب الأرواح الطاهرة الشريفة العلوية (أرواح الملائكة) وإذا حسنت الوسيلة وحضرت هذه الرحمات هربت الشياطين وحلت السكينة والطمأنينة بالنفس " ألا بذكر الله تطمئن القلوب" وقد ورد في الحديث " عليكم بالشفائين:العسل والقرآن" .

دعاء المعالج للمريض وتقويته إيمانيا : لما كان المريض مبتلى وفي حاجة الى فضل الله وشفائه مع عظيم الأمل حيث قال تعالى " ولا تيأسوا من روح الله ، أنه ييأس من روح الله ألا القوم الكافرون " لذا فانه يجب على المعالج أن يسال الله من فضله أن ينزل على مريضه من هذا الروح المبارك ما يذهب المرض ن ويستنزل العافية ، موقنا أنه سبحانه الشافي وأنه على كل شيء قدير.

كما يجب عليه أن يبعث في المريض قوة الثقة واليقين عند الله ، فكما أن الإيحاء واثره في المرض معروف ، لذا فان الشفاء مرتبط بتقوية نفس المريض بتجديد أيمانه بقدرة الله سبحانه وأنه خالقه ، وهو الشافي ، ولا يعظم عليه داء مهما استدت آلامه وعظمت آثاره . . ومن هذا يتضح أنه : كما ان المعالج مطالب بالتزود بكل أدوات العلم في تخصصه فأنه مطالب أيضا بأن يقوي صلته بالله ، كي يهديه ويلهمه التشخيص والعلاج الصحيح (لآن الله سبحانه وتعالى هو الشافي) ولأن استعداد المريض لتلقي العلاج الجديد والأمل في حصول الشفاء يتفاعل مع قوة يقين المعالج ، وكلا من المريض والمعالج فقير الى رحمة الله وفضله .وقد نقل ان عمر رضي الله عنه كان يقرأ الفاتحة على المريض فيشفي ، فجاء رجل وقرأها على مريض وأعادها ولم يتحسن المريض ، فقيل أنها الفاتحة ولكن أين عمر؟

دمج العلاج النفسي مع البعد الديني :

والمثال على ذلك العلاج المعرفي ذو المحتوى الديني : وهذا النوع من العلاج يستخدم بطبيعة الحال مع المتدينين ، ويحتاج الى تدريب خاص حيث يقوم المعالج باستخدام تقنيات العلاج المعرفي التي تقوم على ملاحظة وتدوين أفكار المريض الخاطئة ثم إعادة صياغتها بطريقة صحيحة باستخدام التصورات الدينية في صياغة المشكلة ووضع خطوات الحل والعلاج.

وبالطبع يمكن استخدام هذه التقنية مع أي علاج نفسي انتقائي يستخدم أساليب معرفية ،

(6)استخدام المجتمع الديني للمريض لتعضيده : ولتعزيز وتقوية شبكته الاجتماعية وتيسير تأهيله .

هذا وتجدر الإشارة الى ان أبحاثا كثيرة تجري لبحث استخدام المستحضرات النباتية للاستخدام كبدائل للعقاقير الكيميائية وقد أثمر بعضها عن نتائج مشجعة ، كما في حالة St John's الذي نجح في علاج بعض حالات الاكتئاب : كما لا ننسى دور الوقاية – والوقاية خير من العلاج كما هو معروض وآخر دعوانا لله رب العالمين .

أعلى الصفحة