الخصائص المميزة السيكولوجية الشخصية الإسلامية
د. ماهر محمد عمر
مستشار علاج نفسي
تناولنا في عرضنا السابق لسيكولوجية الشخصية الإسلامية مجموعة مفاهيم أساسية تتعلق بالتكوين البنائي . وهي تتضمن مفاهيم عقلية وأخلاقية وروحانية ونفسية واجتماعية. وسنستعرض مجموعة المفاهيم التي تتعلق بخصائصها وسماتها المميزة لها على السطور القادمة بآذن الله .
لعل من أهم ما تتصف به الشخصية الإسلامية للإنسان المؤمن بربه والمتوكل عليه ، تمتعه بضمير أنساني متميز بنسيج رباني ذو بعدين أساسيين في علاقته مع ربه ، وهما : خشية الله ، والرجاء في عفوه ومغفرته ورحمته ، وهذا يشكل الضابط الأساسي لسلوكياته والمنظم التلقائي لعلاقاته مع المحيطين به والمخالطين له سواء كانوا في محيط الأسرة ، أو في نطاق الجيزة السكنية ن أو في رحاب الدراسة ، أو في موقع العمل فالإنسان المسلم المؤمن يراعي ضميره في كل خطوة من خطواته ، وفي كل مرحلة من مراحل حياته ، منذ فطرة الله على الفطرة السليمة عند صرخته الأولى وحتى صمته الخير . فهو دائما يجد نورا في عقله وقلبه يضيء بصيرته فيهديه للصراط المستقيم وهو دائما يجد ناقوسا يدق في أذنه ونفسه يذكره بما يرضي الله ، وما قد يبعده عن طاعته ، فيهديه لاختيار الطريق القويم . ..وما أجمل تلك الآيات التي تضيء طريق الانسان فتجعله يسير في أمان. وما أكثرها تلك الآيات التي تحفظه من التعثر في خطواته فلا يضل طريقه في أي لحظة حياته ، ولنبدأ بقوله تعالى في فاتحة الكتاب المبين ." بسم الله الرحمن " الحمد لله رب العالمين(2) الرحمن الرحيم (3) ماللك يوم الدين (4) إياك نعبد وإياك نستعين (5) أهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7) صدق الله العظيم .
ويؤكد الله عز وجل هدايته للبشر وتنقية ضمائرهم في محكم كتابه وقرأنه المجيد بقوله تعالى : " آلم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون(3) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون(4) أولئك على هم المفلحون (5) صدق الله العظيم (البقرة 1-5) وغني عن القول أن الضمير في القول والعمل ، والإخلاص في النية بما يحقق السعادة الذاتية للفرد المسلم المؤمن ، ويعود براحة البال عليه وبالاستقرار النفسي لحياته ، وذلك لأنه سيتمتع بالاحترام النفس واحترام الآخرين له ولعل التنبيه القرآني في قوله تعالى :(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) صدق الله العظيم(التوبة 105) يعتبر دليلا واضحا على ضرورة يقظة المسلم المؤمن لكل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال ، فتكون كلها خالصة لوجه الله الكريم حتى تتفق مع قوله تعالى في حسن السير والسلوك الذي حدده له في سورة الحشر ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) . صدق الله العظيم(الحشر 7) . وكذلك قوله تعالى ( فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول) صدق الله العظيم (النساء 59)
لذلك نجد ان الضمير الإنساني للفرد المسلم المؤمن يتحلى بالإخلاص في القول والعمل المقرون بالنية الحسنة والمترجم الى عمل صالح يرضي الله ورسوله والمؤمنين . والشعور بخشية الله مرتبط ارتباطا وثيقا بالرجاء في عفوه ومغفرته ورحمته وقد بين الله عز وجل أن عقابه لواقع على الذين كفروا واستكبروا ، وان رحمته وسعت كل شيء ولا سيما الذين آمنوا واتقوا . فلنتذكر قوله تعالى :(أنا قد أوحى ألينا أن العذاب على من كذب وتولى ) صدق الله العظيم طه 48) وقوله تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) صدق الله العظيم (الأعراف 156) ولعل ما قاله الله تعالى أخبارا عند العبد الصالح ما يوضح المعنى المقصود بفضل الرجاء في رحمة الله ( وأفوض أمري الى الله ان الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيئات ما مكروا) صدق الله العظيم (غافر 44 – 45) ومما لا شك فيه ، أن الانسان المسلم المؤمن يدرك تماما أهمية الربط بين الخشية والرجاء بما يجعله يسلك خطاه في الطريق الذي يتمناه وهو طريق الله المدعم بالضمير الحي اليقظ بقوله تعالى : ( ان ربك لسريع العقاب وانه لغفور رحيم ) صدق الله العظيم (الأعراف 167) وقوله عز وجل ( ان الأبرار لفي نعيم (13) وان الفجار لفي جحيم ) صدق الله العظيم (13-14) وبناء عليه نجد الفرد المسلم المؤمن يسلك مسلكا مغايرا لمن لا يمس الأيمان قلبه .. فعندما يشعر المؤمن بأنه أخطأ الطريق ، وقد نبهه ضميره وذكره بما يجب أن يفعله ، وبما يجب ألا يفعله حتى يكون قريبا الى الله فانه يسارع الى الله بالتوسل والرجاء وطلب المغفرة والعفو والرحمة .. ويزيد ذلك من تقواه ويزيده تقربا الى الله فعندما يخاف الانسان العادي من شر ما قد يلحق به ، فأنه يهرب منه ويبتعد عنه ليصون نفسه . وعندما يخاف المؤمن من عقاب الله فانه يجري الى الله ويسعي أليه ولا يبتعد عنه ويرمي بنفسه على باب رحمته ويتوسل أليه بدموع توبته. وهذا كله يشكل في مجمله الضمير الإنساني من الصنع الرباني وهو من أهم ما يميز سمات الشخصية الإسلامية للإنسان المسلم المؤمن . تناولنا في مبحثنا السابق لسيكولوجية الشخصية الإسلامية عددا من المفاهيم الأساسية التي تتعلق بالخصائص المميزة لها مثل الضمير الإنساني متضمنا خشية الله والرجاء في عفوه ومغفرته والطمع في رحمته عز وجل .ولا تكتمل الخصائص المميزة للشخصية الإسلامية ألا بالحديث عن تحمل الانسان المسلم المؤمن المسئولية الكاملة عن سلوكه العام ومحاسبة نفسه على مالا يرضيه منها ، وقبوله لما يرضيه بما يصيبه من ابتلاء لأيمانه بأنه قضاء .. ويتضمن مفهوم المسئولية من وجهة نظر العلاج النفسي الواقعي قدرة الانسان على إشباع حاجاته وحل مشكلاته بما لا يكون على حساب الآخرين وبما يحقق له الإحساس باحترامه لنفسه واحترام الغير له ويتضح من هذا التعريف ارتباط المسئولية بمحاسبة النفس