الحب الضائع

د.محمد المهدى

إستشارى الطب النفسى

 

على الرغم من أنها لم تتجاوز السابعة عشر من عمرها إلا أنها خاضت الكثير من التجارب والمغامرات العاطفية والجنسية , فقد كانت تقيم علاقات مع كل من يصادفها وتذهب بسهولة مع من يطلبها , ولكنها استطاعت أن تحافظ على كونها بنتاً , ولم يكن ذلك – حسب رأيها - نوعاً من التعفف أو الخوف على شئ , وإنما لكونها هى نفسها تكره العلاقة الجنسية وهذه الكراهية تجعلها شديدة النفور من فكرة الزواج فهى لا تتصور نفسها زوجة تمارس حياتها الزوجية وتحمل وتلد وتصبح أماً .

وربما الغريب فى سلوكها أن هذا السلوك غريب جداً على الجو العام لأسرتها فوالدها تبدو عليه علامات الالتزام الخلقى الصارم ووالدتها سيدة محترمة تشغل وظيفة مرموقة .. والجميع يؤكدون على أنها لا ينقصها أى شئ , وهم لا يعرفون شيئاً عن مغامراتها السابق ذكرها ولكنهم أتوا بها إلى العيادة بسبب عصبيتها الزائدة وعزلتها عن باقى أفراد الأسرة .

فهى الثانية فى ترتيب أخواتها تسبقها بنت ويصغرها ولد , وعلاقتها بوالدها متوترة جداً فهى دائماً تنفر منه وأحياناً تعبر عن كراهيتها الشديدة تجاهه وتعتبره شديد القسوة وشديد الجفاء وتتهمه بالانحياز لأختها الأكبر (لأنها أول فرحته كما يقول دائما ) ولأخيها الأصغر (لأنه ولد من ناحية , وآخر العنقود من ناحية أخرى) , أما هى فلا تشعر باهتمام أو حب الأبوين . وهى تشعر بأن أمها سلبية ومقهورة لوالدها , وأنها فاشلة فى كل شئ , وكثيراً ما عانت من تعليقات أفراد العائلة والجيران , فهم يمتدحون جمال أختها وبياض بشرتها فى حين يتحدثون عنها هى بشفقة وانتقاد فهى سمراء ونحيله , ومن هنا أصبحت تكره التواجد مع أختها فى أى مكان وتكره جميع أفراد العائلة .

ولم يتوقف الأمر عند العلاقات الخطرة والعصبية الزائدة وكراهية أفراد الأسرة وإنما امتد ليشمل سرقة أشياء ثمينة من المنزل خاصة من حاجات أبيها , إضافة إلى الفشل الدراسى الواضح .

التعليق على الحالة :-

        إن ترتيب هذه الفتاة فى أسرتها يوحى بأن ثمة مشكلة متوقعة لو لم تتداركها الأسرة مبكراً , فهى بنت جاءت بعد بنت , وهذا يجعل استقبال الأسرة لها فاتراً وربما رافضاً فطبيعة مجمعاتنا الميل إلى إنجاب الذكور حتى وإن أعلنوا غير ذلك .

        ثم يجئ بعدها ولد (ذكر) فسيتقبل استقبالاً حافلاً وينال اهتمام الأسرة الصغيرة والعائلة الكبيرة , وهنا تقف البنت الوسطى ضائعة حائرة , فلا هى تصل إلى مكانة الكبرى المميزة ولا هى تصل إلى مكانة الولد (ذكر) الأصغر (أخر العنقود) . يضاف إلى ذلك انخفاض مستوى جمالها مقارنة بأختها . وهنا تشعر هذه الفتاة بالظلم وتشعر بتحيز الأب وربما الأم لأختها وأخيها , وتبدأ فى البحث عن مبررات لكراهيتها وخاصة الأب المتحيز للذكور .

والانحراف الخلقى هنا والمتمثل فى العلاقات المتعددة والمتغيرة ليس هدفه الحب أو الجنس وإنما هدفه :-

أولاً : البحث عن الإهتمام , فهى تحب اهتمام الشباب بها ولهفتهم عليها , ولهذا فهى تمثل الحب وربما تمثل الجنس ولا تشعر بأى شيء حقيقى من هذا أو ذاك , ولكنها فقط تريد أن تلفت نظر كل شاب وكل رجل إليها وتستدرجه إلى حبها .... وهذا كل ما يرضيها .

ثانياً : الانتقام من الوالدين وخاصة الأب ,وذلك بتلويث سمعته والانتقاص من شرفه , والتعويض عن فقد حبه بالحصول على اهتمام عدد كبير من الرجال .

ثالثأً : الإثبات لنفسها أولاً ثم لكل أفراد عائلتها أنها ليست أقل جمالاً من أختها , وأنها مرغوبة من كل الرجال .

رابعاً : الهروب من إحساسها بالرفض ومن تعاستها فى تلك المغامرات والعلاقات العاطفية.

 

والعلاج يتمثل أساساً فى جلسات نفسية فردية مع الفتاة تعبر فيها عن غضبها وتعاستها وكل مشاعرها , ثم تزداد بصيرتها شيئاً فشيئاً بجوانب المشكلة ( المتوهمة والحقيقية ) , ثم تختار من البدائل المتاحة أيها أكثر فائدة لبناء حياتها وتتجنب ذلك الجانب العدوانى الهدام فى شخصيتها وتعرف أنها حين تمارس العدوان على أسرتها فهى فى نفس الوقت تحرق نفسها وتشوه سمعتها .

ويتبع ذلك جلسات علاج أسرى لكى تتضح أبعاد الاضطراب فى العلاقات المتبادلة بين أفراد الأسرة ويعمل المعالج على استعادة رؤية صحية وعلاقات صحية جديدة تجف معها منابع العدوان داخل نفس الفتاة المضطربة .

وفى هذا وذاك لابد من التأكيد على استعادة هذه الفتاة لثقتها بنفسها ( شكلاً وموضوعاً ) تلك الثقة المفقودة التى تدفعها لاستجداء الإهتمام من كل شاب يقابلها وكأنها تريد شهادة موقعة من كل شاب أنها جميلة ومرغوبة .

دكتور محمد المهدى

إستشارى الطب النفسى