نحو موسوعة نفسية إسلامية

 

 

 

 

الميكانيكية السلوكية في القرآن الكريم

(اطمئنان نهاية الحياة)

د.محمد يوسف خليل

مستشار الطب النفسي

أخي القارئ الكريم :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد...

فأرجو أن تترحم معي على أستاذنا الدكتور جمال ماضي ابو العزائم في ذكرى وفاته ، وأن نذكر بعض مآثره على الصحة النفسية الإيمانية . فهو أول من فكر مع زملاء له في تأسيس جمعية الطب النفسي الإسلامي وهو أول من فكر في إصدار هذه المجلة ، واختار اسمها الذي يفصح عن مضمون رسالتها وهو أول من راس تحريرها وظل يقوم بأعباء هذا العمل في كفاءة واخلاص حتى لحق بالرفيق الأعلى – رحمه الله رحمة واسعة وجعل الجنة مثواه .. هذه بعض مآثره العامة ، أما مآثره الخاصة فبالنسبة لي فقد رغبني في أن أتابع سيرته – وأن ابحث عن مناهج النفسي في العقيدة ، أوضح ما في القرآن الكريم ، والسنة النبوية من نفسية واضحة المعالم.. ومن هذه الكنوز النفسية التي تابعناها معا ، هو اطمئنان نهاية الحياة ، وهو ما أغفلته مناهج النفس البشرية فقد توقف علماء النفس بمناهجهم عند جسر الموت ، وقد رأينا في وضوح كامل كيف اتسع منهج العقيدة ليحقق اطمئنان النفس في سن الشيخوخة ثم تستمر سيرته حتى تنتهي الى حقائق الموت نفسه ... والموت حدث ضخم له أهميته وله سيكولوجيته وله سلوكياته وله اطمئنانه وهذا ما يتحقق بمنهج العقيدة .. فمنهج العقيدة ، هو وحده الذي يحقق الاطمئنان النفسي لمفهوم الموت ، ولكل ما يسبقه وكل ما يلاحقه من أحداث وهذا ما يتناسب مع منهج العقيدة ، في شموله وأحاطته واتساعه .. وبهذا الاتساع والإحاطة يتحقق للنفس البشرية اطمئنانها من بداية الحياة الى نهايتها دوان ان تتوقف المسيرة ، بل تستمر في حياة البرزخ ، وتظل تلازم الانسان حتى يبعثه الله آمنا يوم القيامة ن يوم الفزع الكبر ، فينادى رب العزة على هذه النفوس التي اطمأنت ويقول لها على رؤوس الأشهاد:

" يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وادخلى جنتي " وليست هذه النهاية ن الا بداية حقيقة لاطمئنان أعظم واكمل وأشمل فقد ترك الانسان الدنيا وما فيها من أسباب ليعيش حياته مع خالق الأسباب سبحانه انه النعيم الدائم ، والاطمئنان الأعظم فقد رضي الله سبحانه عن هؤلاء العباد  ورضوا عنه .

مسيرة متصلة الحلقات ، لا خلل فيها ولا ثغرات ويظهر هذا في وضوح كامل ، عندما نجد المنهج يتفاعل ، مع أحداث الموت نفسه ، بما فيها من هول وفزع .. وهذا الموقف بالذات بما يسبقه وما يلاحقه لا تتعرض له مناهج النفس البشرية مع ان من تعريفاتها ان الطب النفسي هو طب الحياة اليومية بمعنى انه يتفاعل مع أحداث الحياة اليومية .. بما فيها من أزمات وصعاب الا أننا لا نجد لعلماء النفس ولا للصحة النفسية برنامجا يتفاعل مع هذه الأحداث فيخفف من وقعها وشدتها ويهون آلامها واحزانها.. وهذا ما يحققه منهج النفس في العقيدة ، ولا يهمله ولا يتجاهله فرب العزة سبحانه عليم حكيم ، لطيف خبير بنفوس عباده يحيط بها إحاطة كاملة شاملة . وهذا هو ذا القرآن الكريم كلام الله سبحانه ودستوره لخلقه يبدأ مع المؤمن ليصل به الى حقيقة الموت ، فيقول سبحانه : تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير – الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (سورة الملك) ثم يأتي قول ربنا سبحانه من سورة آل عمران : " كل نفس ذائقة الموت وانما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور" ثم يوضح ربنا سبحانه كيف تخرج الروح في حالة الاحتضار فيقول سبحانه من سورة الواقعة : " حتى إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن اقرب اليه منكم ولكن لا تبصرون - فولا ان كنتم غير مدينين ترجعونها ان كنتم صادقين ". ثم يتحدى ربنا سبحانه أهل الكتاب من اليهود ، الذين يدعون انهم أولياء الله وأحباؤه فيقول رب العزة من سورة الجمعة .." قل يا أيها الذين هادوا ان زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين " ثم يؤكد سبحانه بقوته وسلطانه ان الموت لا هروب منه فيقول من سورة النساء " أينما تكونوا يدر ككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ".. ثم يوضح ربنا سبحانه كيف يتصرف المؤمن مع حكم الله وقضائه فيقول سبحانه من سورة البقرة :" ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين اذا أصابتهم مصيبة قالوا ان لله وان أليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ،، هذه حقائق الموت الإيمانية تحدث بها رب العزة سبحانه في تسلسل متدرج وهو بمفاهيم علماء المدرسة السلوكية النفسية ولكنه يصعد المفاهيم ليؤكدها ولا يهبط بها فيضعفها كما في مسلسل تحريم الخمر والربا الذي تحدثنا به في بداية هذه الحلقات ثم يأتي السنة المطهرة ن فتدعم هذا كله بمنهج آخر من مناهج النفس ، وهو التدعيم والتثبيت ففي صحيح السنة من أذكار الصباح والمساء التي يوصى بها الرسول الكريم صلوات الله عليه وعلى آله والتي يرددها المسلم مرتين في اليوم والليلة قوله صلى الله عليه وسلم : اللهم اني اسالك عيشة نقية أو (هنية) وميتة سوية ، ومردا غير مخز ولا فاضح .. " اللهم أجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا لقائك .. اللهم أجعل الحياة زيادة لنا في كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ..وكان صلى الله عليه وسلم ينصح أصحابه بذكر الموت حتى لا يركنوا الى الدنيا وشهواتها فتهلكهم كما أهلكت من سبقهم فكان يقول لهم : " اذكروا هازم اللذات" يعنى الموت .. وبهذا يتهيأ الانسان بمنهج العقيدة مع حقائق الموت قبل حدوثه ، فإذا حدث فان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي في سنته بما يقوله المتحضر ، وما يقوله من يحضرونه من أهله وأحبائه وكتب السنة المطهرة تستوفي هذا كله ، لمن أراد أن يرجع أليها والموت اصعب المصائب في حياة البشر وأقواها، وأشدها إيلاما للنفس ، وهو بلاء ينزل بالأسرة فيصدع كيانها ، ويهز اطمئنانها ويعصف باستقرارها النفسي والاجتماعي ، ويترك أفرادها في بلاء وهم وضيق ومعاناة .. وأصعب وقته ، هو وقت حدوثه ولا يقوى أحد على معالجة أثره أو تخفيف شدته ن وقد انتهى بنا الحديث في الحلقة السابقة الى الكيفية التي يتفاعل بها منهج العقيدة فبمعالجة هذا الموقف الصعب ، وقلنا ان منهج العقيدة ينقل الجميع من موقف النحيب والبكاء الى موقف الدعاء والرجاء فيأمرهم بالاستعداد لتحضير الميت وتجهيزه استعدادا للصلاة عليه وبهذا يشترك جميع الحاضرين في تشييعه وتوديعه – والانتقال الى المسجد والصلاة عليه ثم السير في جنازته حتى تنتهي مراسم دفنه ويستقر في قبره ، مع دعوات مشيعيه ، ودعائهم له بالرحمة فهذا ما يصل أليه من دعائهم ، اللهم اغفر له اللهم ارحمه ، اللهم وسع له في قبره ، الله لقنه حجته عند سؤاله اللهم أبدله دارا خيار من داره وأهلا خيرا من أهله ن وغير المأثور الذي يخرج من قلوب المشيعين على قدر محبهم ومنزلتهم منه ، والله سبحانه يقبل هذا كله بفضله وبرحمته ومغفرته فهو الرحيم الغفور الذي وسعت رحمته كل شيء وهذا هو منهج الإزاحة الذي يخفف عن الجميع أحزانهم ويهيئ نفوسهم لأن يتقبلوا قضاء الله بالرضا والصبر عن ايمان واحتساب ، وهذه ملامح صلاة الجنازة نستكمل بها الحديث في الحلقة القادمة ان شاء الله ورحمة الله على الدكتور جمال فقد كان هذا الحديث عزاء لنا بعد موته نسال الله له ولنا العافية

أعلى الصفحة