صحوة الإرادة في رمضان وقاية وعلاج
د.جمال ماضى ابو العزائم
![]()
عقد بالقاهرة مؤتمر لمنع التدخين وكان من بين من تحدثوا في المؤتمر خبير أمريكي ، أشار الى تجربة يقوم فيها فريق بالامتناع الجماعي عن ممارسة التدخين ، وقد أسفرت هذه التجربة عن نجاح كبير تحقق نتيجة المشاركة في الامتناع عن عادة التدخين . والجماعة عندما تقوم بعمل موحد إنما يدعم بعضها إرادة البعض الآخر وخاصة إذا كان هذا العمل ناجما عن اقتناع أفراد الجماعة بجدوى العمل الذي يقومون به .
وقد أشرت في تعليقي على هذه التجربة الى الفرصة الذهبية التي يتيحها شهر رمضان للمسلمين عامة للامتناع عن التدخين ، ذلك ان جماعة المسلمين تقاوم بإرادة قوية النوازع الجسمية من مأكل ومشرب وجنس وتدخين طوال ساعات محددة ولمدة شهر كامل .
وقد أثبتت الأبحاث النفسية ان على الإنسان عندما يريد أن يتخلص من عادة غير مرغوبة أن يصمم على الامتناع عنها على الفور فذلك أفضل بكثير من أن يمتنع عنها تدريجيا فليس من المجدي مثلا أن تقول سوف أقلل تدريجيا من عدد ما أدخنه من السجائر بل الأفضل والانجح أن تمتنع عنها كلية وهذه هي الفرصة التي يتيحها لك شهر الصوم شهر العمل الجماعي .وانه لنداء من القلب في مستهل شهر رمضان ، شهر الصوم أن نجعل من ظاهرة الامتناع التي يولدها طاقة علاجية لكثير من الأمراض خاصة الاعتياد على التدخين وإدمان البعض على المسكرات والمخدرات بأنواعها ، فعلينا أن نعقد العزم مع نية الصيام ألا نعود للتدخين أو التعاطي أبدا .
وطاقة الإرادة تختلف من إنسان الى آخر وربما ازدادت هذه الطاقة حتى يصبح الفرد الواحد بقليل من الصبر ذا طاقة تساوي طاقة اثنين ، يقول تعالى : " فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين " .
وقد تزداد هذه الطاقة بتنشيط الإرادة حتى يصبح الفرد الواحد ذا طاقة تساوي طاقة عشرة وذلك بممارسة مزيد من الصبر، يقول تعالى : " وان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين "
وقد تتضاعف هذه الإرادة الى ما لا نهاية وكل ذلك بقسط أكبر من الصبر والتحمل وبالعقيدة ألحقه ، يقول تعالى " قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين "
ومن هذا المنطلق نرى ان لدى الإنسان طاقات لا نهاية لها وان هذه الطاقات متواجدة في صميم كيانه .
وأن مفتاح تفجير هذه الطاقات الهائلة التي لا حدود لها هو الصبر على دافع الغريزة وتنشيط إرادة الصبر . هذه الإرادة التي تجعل الإنسان يواجه كل مشكلات الحياة مواجهة تضع لها الحلول العديدة ويشق طريقة دون توقف ويزداد إنتاجه وتقوي عزيمته .
الانتصار على النفس الأمارة
وقد ثبت ان كل من عارك الحياة وانتصر عليها انطلقت أرادته الى أبعد حد وأمامنا في تاريخنا المعاصر دولتين هما ألمانيا واليابان انهزمتا في الحرب العالمية الثانية حتى تقوضت تماما طاقتاهما ، ولما عقدتا العزم على الصمود وصبرتا على العديد من الأزمات تبدلت حالتهما تدريجيا حتى وصلتا في هذه الأيام الى أعلى مستوى في الحياة الاقتصادية التي هي محصلة للإرادة ومحصلة للصبر ومحصلة للإنتاج .
ترشيد الإرادة في التراث الإسلامي :
وتراثنا الخالد في الحياة الإسلامية تراث بني على إرادة التغيير الى الأحسن وجميع العبادات هادفة الى ترويض النفس الإنسانية واخراجها من الضعف الى القوة ولذا تكونت سمات الشخصية الإسلامية مستمدة القوة من ترشيد الإرادة وتعهدها منذ فترات الحياة الأولى حتى تنضج مبكرا ولننظر الى قوله تعالي " ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين "
وقوله تعال " يا يحيي خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا "
وتوصية السيد الرسول " مروا أولادكم بالصلاة لسبع " فمنذ الطفولة علينا ان نحملهم مسئولية تتكرر خمس مرات يوميا مع الوضوء والصلاة والانتظار حتى تتكون عادة الصلاة مبكرا .
" ان الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي ولذكر الله اكبر " .
ومن الأيام الأولى علينا ان نروض أبناءنا على تحمل الصوم وعلى الصدق والعادات الحميدة وكل هذا لا يتأتي آلا بانطلاق الإرادة ولذا كان الصوم مدرسة لتربية النفس واخراجها بعيدا عن شهواتها الى جنة الطمأنينة والتمتع في حدود القانون والقيم والى جنة التوسط بعيدا عن الإسراف والمرض .
فرصة نادرة للامتناع عن التدخين وتعاطي المهلكات :
وقد أقبل رمضان وهو فرصة للامتناع عن التدخين وقد ثبت بلا جدال أن معظم التدخين عندما يلاقون أحدا منهم وقد توقف عن التدخين يهنئونه ويدعون الله ان يهبهم القوة على الامتناع وهذه ظاهرة صحية يجب أن نستغلها فالبذرة الأولى للامتناع مقبولة ولكنها هامدة عند الإنسان وتحتاج الى من يوظفها ويأتي رمضان بطاقاته الهائلة يحيي هذه الظاهرة . وحقيقة الصوم تختلف عند بعض الناس ويحسبونه الامتناع المؤقت ولكن المطلوب ان تجعل هذه الطاقة العظيمة عاملا مساعدا على التغيير الى الأحسن ومنطلقا لمعرفة النفس الإنسانية وتوجيهها الى الخير الحقيقي بعيدا عن ملذات لا تدوم وعطائها يؤدي الى الأذى والمضرة بالصحة يقول تعالي " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر "
هل نصل في رمضان الي الصيام الدائم ؟
وسوف نصل بانطلاق الإرادة الى الاستبصار الحقيقي بمعني الصوم يقول " الصيام جنه فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فان شاتمه أحد أو قاتله .. فليقل أني صائم" وتتبدل نتيجة الصوم سمات الصائم حتى يصل الى هذه الخصال الفاضلة ، فالصوم يهذب الخلق ويؤدي الى الصدق في القول والعمل وفي الحديث " الصوم جنه ما لم يخرقها بكذب أو بغيبة " وقوله " خمس يفطرن الصائم الكذب ، والغيبة ، والنميمة ، واليمين الكاذب ، والنظر بشهوة " والتحليل النفسي لهذه الوصايا يلقي الأضواء على حقيقة الصيام وممارسته التي سوف تؤدي مع التعود والتكرار والاستبصار الى الصوم الدائم عن شهوات النفس والى التمتع الحقيقي مع قانون الشريعة .
ان هذا الصيام الدائم سوف يؤدي حقيقة الى خير دائم للإنسان وأقل فوائده هو الامتناع عن التدخين والتعاطي للمهلكات .
وتنتهز الجمعية العالمية الإسلامية للصحة النفسية هذه الفرصة لتنبه المسلمين في كل مكان الى معني الصوم وطاقاته والى انطلاق الإرادة البناءة وآثارها وتود أن نتواصي ونعقد العزم من اليوم الأول على سلوك الامتناع المستمر فالجماعة عندما تريد يقوي بعضها البعض وتسهل على أفرادها تحمل المشاق التي يكون من الصعب على الفرد أن يتحملها بمفرده .
كم من مرة نبهنا الى مضار التدخين والتعاطي للمسكرات والمخدرات والأقراص ووضعنا أمام الناس أخطارها الجسمية وقد لمسوا هذه الأخطار ولكن طاقة واحدة تستطيع أن تبدل كل ذلك هي طاقة الإرادة التي يبعثها الصوم الحقيقي .
وهذه يدنا في أيديكم جميعا ويد الله فوق أيدينا جميعا ان نعاهده عن وجل مع نية الصوم على سلوك طريق الصوم الحقيقي البناء المعالج لأمراضنا الجسمية والنفسية والله المستعان