العلوم النفسية العربية
|
العولمــة و ... الأحـداث الجاريـة و الطـب النفســي أ.د. يحيــى الرخــاوي أستـــاذ الطـــب النفســـي بجامعــــة القاهـــــرة E.mail : info@mokattampsych.com |
q الجـزء الأول : العولمـة و الحضـارة و الثقافـة
§ تحديد المصطلحات
أربعة مصطلحات لا بد من تحديدها : العولمة – العالمية – الشمولية و عبر الأوطان (عبر القارات)
العولمة = أن توحد العالم في المجال أو التطبيق
العالمية: تتعلق بما يمتد إلى أكثر من دولة أو إلى كل الدول.
الشمولية: تشير إلى ضبط مركزي مطلق (الدكتاتورية) سواء على مستوى الدولة أو على مستوى العالم
عبر الدول: ما يتخطى أو يتجاوز الدول / عبر القارات: ما يتخطى أو يتجاوز القارات
بالإضافة إلى مزيد من الحاجة لمعرفة أكثر عن : الثقافة و الحضارة
§ الحـاجة إلــى العولمــة
النظرة الشاملة للبشر معا "تفاهما وتعاونا وتكاملا هي أمل الإنسان عبر التاريخ، وفى كل العالم، وقد بدا أنه يمكن تحقيق الأمل بعد الإنجازات الأحدث التي سمحت: بالتواصل والحوار
ذوات تحقيق الأمل تتمثل في (أمثلة)
- الإعلام والإنترنت
- المؤسسات العالمية الرسمية، وغير الحكومية
- زيادة الوعي بالخطر المشترك
- زيادة السعي إلى حلول إبداعية مشتركا جديدة
§ أهــداف العولمــة
من أهداف العولمة (والأمل فيها):
(1) أن نستفيد من إنجازات بعضنا البعض
(2) أن تتاح فرصة المقارنة الموضوعية
(3) أن نتبادل الخبرات
(4) أن تتسع أمام الجميع دائرة المعلومات
(5) أن نتمكن أسرع من منع الكوارث الشمولية، (للجنس البشرى).
(6) أن نعجل بالتوجه الضام إلى هدف مشترك
(7) أن ندعّم عدلا موضوعيا للجميع.
§ أمثلــة لسـوء استخـدام العولمــة
من أمثلة سوء استخدام "العولمة"
(1) فرض نمطية عامة لطريقة محددة للتفكير
(2) إغفال الفروق الفردية والثقافية
(3) أن تنقلب إلى شمولية عالمية
(4) أن تؤكد تواصلا زائفا (مفرغا- مغتربا)
(5) أن تسهّل نقل (عدوى) نمط من الوجود (السلوك) المخرّب بسهولة أكثر (مثل الإدمان، أو دعارة الأطفال)
(6) أن تغمر الوعي بفيضان من المعلومات
(أ) المحرّفة / (ب) المغرضة / (ج) السطحية / (د) المغتربة / (هـ) المفرغة
(7) أن تعمم احتمالات إفساد قوانين التطور الطبيعية (على المستوى العالمي) بما يلي كأمثلة:
(أ) التدخل الدوائي القامع / (ب) الترجيح الذهني الاستعادة على الوجداني / (ج) تلوث البيئة
§ الافتراضـات و الإشكـالات الأساسيـة
(1) لغة واحدة في مقابل فكرة مركزية (غائية- مشتركة)
(2) الكتابية والحاسوبية في مقابل الشفاهية أولا
(3) اللغة الرمزية المستبعدة في مقابل التواصل المتعدد القنوات (وجها لوجه)
(4) الدين اختيار شخصي ثانوي إضافي في مقابل الإيمان الضام الساعي إلى فكرة غائية مركزية = إلى وجه الله (!) كمحور للوجود.
(5) التفسير الجامد للنص المقدس في مقابل الاستلهام المتجدد
§ أنـواع العولمــة
من المفيد أن نميز نوعين من العولمة
1- العولمة السلطوية (وهى ما تسعى لترويجها السلطات الأقوى، حتى تكاد تصبح نوعا من الشمولية العالمية)
2- العولمة الإنسانية وهى ما يشير إليه التنوع الولافي الضام (وهو ما يأمل في تحقيقه سائر الناس)
عن العولمـة السلطويـة
فرض، إقحام، تدعيم، توحيد نمط طريقة حياة يزعمون نجاحها، بل وتفردها (باستبعاد غيرها) مثلا، فرض:
لغة واحدة (مشتركة)
طريقة تفكير (تكوين المفاهيم) واحدة (مشتركة)
أيديولوجية واحدة (مشتركة)
منهجية (مناهج) واحدة (مشتركة) (بالرغم من مزاعمهم أنهم يحاولون العكس)
أهداف عاجلة (ومتوسطة) واحدة (مشتركة) (مثلا: الرفاهية، وطرق تزجية الوقت)
نظام سياسي واحد
موقف موحد من الدين (ليس بالضرورة دين واحد)
جماعات ضغط سرية قائدة (تشمل المافيا) تواصل بالرموز (مستبعدا سائر القنوات الأخرى) (ربما عبر الشرائح والإنترنت، والكتابة)
رفض وإزاحة والتقليل من شأن: طرق تفكير خاصة مختلفة
تدين نشط خاص
أعراف خاصة
أيديولوجيات خاصة
أنواع أخرى للتواصل مختلفة وخاصة سلطة الدول القومية
هدف نهائي شامل
عدل موضوعي شامل (بالرغم من مزاعمهم أنهم يحاولون العكس)
عن العولمـة الإنسانيـة (التضاد المتفرع الضام معا في ولاف إبداعي)
تدعيم وتسهيل وتنمية كل من:
= تنوع أنماط التفكير الخاصة
= اللغة الخاصة (القابلة للترجمة)
= الأيديولوجيات مفتوحة النهاية
= تنوع طرق تكوين المفاهيم
كل ذلك في توجه ضام لاستيعاب الاختلاف والترجمة للتكامل وليس لسيطرة الأقوى
تدعيم وتسهيل وتنمية كل من:
(أ) نظم سياسية متنوعة متغيرة
(ب) السعي إلى حرية حقيقية (ليست بالضرورة هي الديمقراطية الغربية)
(ج) التدين الضام إلى إيمان موحد (بدلا من تلفيقات وقف إطلاق النار بين المختلفين)
(د) الموقف الإبداعي مفتوح النهاية
§ وهـم (خدعـة ) صـدام الحضــارات
الحضارة والثقافة ليستا مترادفتين
إن زعم حتمية صراع الحضارات (خاصة بين الإسلام والغرب) هو وهم مغرض بشكل أو بآخر تفنيد ذلك: إنه لا يوجد في الوقت الحاضر ما يسمى حضارة إسلامية. إنها إما تاريخ وإما وعد غامض
كل الموجود هو ثقافات فرعية توصف بأنها إسلامية لم يصل أي منها إلى ما يسمّى حضارة قادرة على التنافس، أو يمكن أن تعتبر بديلا يصلح لما هي الآن
§ عن الثقافـة و الحضــارة
أولا: الثقافة
الثقافة ليست مرادفة للحضارة: "الثقافة هي هذا النسيج المتضمن لجمّاع مستويات الوجود الفردي فالجمعي" معا "حالا".
هي في نفس الوقت المنظومة التي يتمحور حولها تاريخ الجماعة مسجلا في نوايا خلايا أفرادها. ثم متجليا في مظاهر سلوكهم.
ثانيا: الحضارة
عادة ما تتصف الحضارة بـ :
(1) درجة فائقة من النمو التقني والثقافي
(2) طرق تفكير ومعاملة لها شكل راق مهذب.
(3) توجه عام لنشر إنجازاتها للجنس البشري
§ متـى تصبـح الثقافـة حضــارة
لا تعتبر الثقافة حضارة إلا إذا اتصفت ب:
(أ) موقف نوعي خاص من الوجود في الحياة
(ب) أن يتجلّى هذا الموقف في السلوك اليومي لأغلب أفراد هذه الثقافة.
(ب) ميل لتصدير (نشر- تسويق) هذا الموقف إلى الآخرين عبر العالم
(د) امتلاك مناهج وأدوات يمكن أن تحقق هذا التسويق
(هـ) أثبت كل من اختبار الفاعلية، الموضوعية واختبار الزمن أن هذا الموقف الخاص هو إضافة صالحة (تطورية) لمسيرة الإنسان عبر العالم.
خلاصة القول:
إن المسلمين الآن لا يتمتعون بهذه المواصفات التي تسمح أن تجمع مئات الثقافات الفرعية التي ينتمون إليها لتكون جديرة أن تسقى حضارة قادرة على المنافسة أو عارضة بديلا ما.
§ الحضــارة الإسلاميـة الكامنـة
حتى يمكن أن نعتبر الثقافات الإسلامية الفرعية المعاصرة حضارة محتملة (يمكن أن تمثل تهديدا أو بديلا) لا بد من توفر أغلب الشروط السابقة.
إن ما تتميز به حضارة الإسلام الواعدة ليس مختلفا اختلافا جوهريا عن كل ما تمثله الأديان (السماوية وغير السماوية) من حيث المبدأ (قبل أن تشوهها بالمؤسسات السلطوية الدينية المغتربة)
فيما يلي مجرد أمثلة لما تتميز به الحضارة الإسلامية الكامنة (والواعدة)
(1) التوحيد: طريق إلى الحرية والإبداع
(2) الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره (تكامل)
(3) العلاقة مباشرة بين الإنسان والطبيعة، وبين العبد وربه، لا وسيط، ولا تعميد، ولا رجال دين.
(4) توثيق العلاقة الفردية بالطبيعة والمطلق.
فيما يلي مجرد أمثلة (تكملة)
(5) النمو الدائم للتكامل بالسعي المتصل إلى وجه الحق
(6) تعدد قنوات المعرفة دون قصرها على منهج بذاته، أو لغة تواصلية بذاتها.
(7) العلاقة بالطبيعة النابضة، علاقة منتظمة طول الوقت من خلال عبادات تعمّق ما هو الإيقاع الحيوي مع الإيقاع الكوني.
§ أنـواع التضــاد
إن الإقرار بالفروق الفردية والفروق الثقافية يعنى مواجهة التضاد
ليس التضاد هو بالضرورة: تصادم، أو صراع، أو محو أو حروب.
إن التضاد بين الأفراد أو الجماعات يأخذ أشكالا تختلف باختلاف درجة النمو والتحضر بشكل أو بآخر
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
↑ لتعارفو
↑ وجعلناكم شعوبا وقبائل
↑ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى
§ معنـى أحـداث سبتمبــر (والسببيـة الغائيـة)
(1) إن ثم رفضا خطيرا للنظام المسيطر القائم.
(2) إنه ثم تهديدا لهذا المستوى الطاغي من الوجود.
(3) إن ما يسمّى "النظام العالمي الجديد" هو إما خدعة أو أنه لم يتكون بعد فما زالت معالمه غامضة
(4) إن الجنس البشرى معرض للانقراض
(5) إن منظومة القوة تزداد عمى، وتخبطا، وتدميرا
(6) إن الإنجازات التكنولوجية الأحدث سلاح ذو حدين.
§ مضاعفـات الأحـداث الجاريــة
أولا: المضاعفات السلبية
(1) تم تجاوز القانون وقيم العدل تماما
(2) يزداد الجانب الطاغي في معادلة الوجود البشرى طغيانا وبالتالي عمى.
(3) اهتزت مفاهيم عديدة بشكل خطير. (مثل: حقوق الإنسان- الحرية. ماهية الإنسان- الإرهاب- معنى الحرب- معنى النصر.. إلخ) حيث فقدت مضامينها الأساسية لتصبح أكثر التباسا أو انحرافا.
(4) يزداد التعصب على الجانبين
(5) استعادت الدولة هيبتها بعض الشيء، (يبدو ذلك مؤقتا).
(6) اتسعت المسافة بين الفقراء والأغنياء
(7) تزايدت سلطات الحكومات السرية جماعات الضغط، والمافيا)
ثانيا : المضاعفات المهددة
(1) إن خطأ عشوائيا يمكن أن يقضى على النوع البشرى، وربما على الحياة علي الأرض.
(2) إن العولمة تتجه نحو عولمة السلطة لا العولمة الإنسانية.
(3) إن سلطة الحكومات الرسمية سوف تتراجع أكثر فأكثر (رغم الإفاقة المحدودة) (الكفة رجحت بسرعة لصالح الدولة الخفية (المافيا). وليس لاستعادة هيبة الدولة القومية )
(4) إن التدين سوف يهمش أكثر ليصبح ديكورا ووسيلة للاسترخاء بعض الوقت
(5) إن المسافة بين الفقراء والأغنياء تزداد ليتعس الجميع
(6) سوف تزداد المؤسسات العملاقة عملقة، خاصة شركات السلاح والدواء.
(7) يسوف يبهت الخط الفاصل بين إرهاب المافيا، وإرهاب الدولة.
(8) سوف تزداد مشاكل الإدمان (الهرب).
(9) سوف يحصل الإرهابيون على وسائل أكثر دمارا وأشمل إبادة.
(10) سوف يسخر الإعلام أكثر للقوة والمال دون الناس.
ثالثا : النتائج الإيجابية المحتملة
(1) سوف يتضح أكثر فأكثر المعنى الحقيقي للأحداث
(2) سوف تتزايد الفرصة لمراجعة عدد من الأوهام السائدة (مثل تجميد الأديان واختزال وظيفتها وتشويهها، وكذلك التحذير من الأديان التعويضية الجديدة الشاطحة والزائفة)
(3) سوف يثرى الحوار والجدل بين الثقافات المختلفة، بل والحضارات المختلفة، الجميع.
(4) سوف تراجع مفاهيم شائعة ومقدسة مثل الديمقراطية بحثا عن وسائل أكثر موضوعية باجتهادات إبداعية جديدة.
(5) سوف يعاد النظر في المحكات المسماة "نوعية الحياة" لنتعرّف على قيم جديدة غير الرفاهية، والاسترخاء، والاستهلاك
(6) سوف تتعدّل مسارات التربية لتسمح بإطلاق قدرات النمو الخلاق للجميع
(7) سوف تنطلق قيم إيجابية جديدة من خلال تضحيات الأفراد.
q الجـزء الثانـي : الطـب النفسـي و العولمـة و الأحـداث الجاريـة
§ الطب النفسي والعولمة
إذا سادت عولمة السلطة :
* لا توجد ممارسة للطب النفسي دون موقف من الحياة.
* مفهوم للإنسان - مفهوم للصحة - مفهوم للمرض - مفهوم للعلاج
أمثلة من جدول المدارس :
(1) ترجح كفة النموذج الميكنى (الطبي العضوي) على النموذج الإكلينيكي الفني
(2) ترجح كفة السببية الحتمية على السببية الغائية
(3) ترجح كفة التقسيم والتسمية على التعرف الفردي المتكامل
(4) ترجح كفة المحاور المتعددة على كفة الأبعاد المتعددة
(5) ترجح كفة التقييم المعملي على الاستجابة الإكلينيكية
(6) ترجح كفة التسويات المائعة (مثل النموذج البيونفساجتماعي) على التفرع الخلاق
(7) ترجح كفة التعاقد القانوني المكتوب على الاتفاق الإنساني الشفاهي، المتعدد القنوات
(8) يتركز الهدف من العلاج على إزالة الأعراض وليس على تمثل اللاهورمونى وتعديله.
(9) المبادرة بإلغاء الألم بدلا من تحمل المسئولية الوجودية
(10) غلبة الخوارمزمية النمطية على التداوي الانتقائي لكل حالة حسب الظروف الإكلينيكية الدالة على أي المستويات الدماغية أنشط
(11) غلبة التقييم المعملي شبه العلمي على تقييم نجاح إعادة التنظيم.
(12) الاهتمام بالأعراض الجانبية أكثر من الفاعلية
(13) غلبة احترام الأرقام الإحصائية أكثر من الخبرة المحلية
(14) غلبة السعي إلى النشر أكثر من الشبق المعرفي للكشف
(15) غلبة حضور المؤتمرات والندوات عن الالتزام بالإشراف المتبادل مع الزملاء.
أما إذا سادت العولمة الإنسانية :
* يمكن أن نتصور احترام الأكثر تقدما والأحكم قوانينا لتجارب وخبرة الأضعف والأكثر تلقائية.
* يمكن تصور عكس الاتجاه السابق ذكره في سيادة العولمة السلطوية.
§ الطب النفسي و الأحداث الجارية
الفرض الأول : استعمال العقاقير النفسية من منطلق تطوري
ملاحظات من ثقافة أخرى عن المنهج
= إن الدراسات المقارنة لمفعول العقاقير بطريقة العمى المزدوج هي ضعيفة المصداقية
= إن الخبرة الإكلينيكية تكاد تكون مستقلة عن نتائج الأبحاث العلمية، وإن استهدت بها.
= إن الفروق الفردية بين الأطباء النفسيين شديدة الوضوح وهى تؤثر على الممارسة و التداوي بشكل مباشر.
= إن قيود ما يسمّى الخوارزمية أصبحت أكثر من فائدتها.
الفرض الثاني : تقسيم الأمراض النفسية المتعدد ة الأبعاد
عموميات أساسيات الفرض
(1) إنه أكثر أهمية أن تعرف أحوال الاضطراب من أن تعرف اسمه
(2) إنه أكثر أهمية أن تعرف "كيف هو الاضطراب" الآن من أن تعرف "لماذا هو"
(3) إنه أكثر إفادة أن تعرف باثولوجية اضطراب الإيقاع الحيوي من أن تعرف الباثولوجية الدقيقة لما حدث لبعض الموصلات العصبية
(4) إنه أكثر أهمية أن يتم التتبع بالمحكات الإكلينيكية الدالة على أي المنظومات الدماغية أنشط من التتبع المعملي أو السطحي بالأعراض
(5) إنه أكثر جسارة أن تتوقع حدوث النكسة لتستوعبها وتستفيد منها، من أن تبالغ في اتقائها على حساب الرنين الوجداني والنبض الإبداعي.
(كل هذه الفروض تبنى على فرض: تعدد المستويات المنظومية)
شبكة العلوم النفسية العربية