|
الرغبة المرعبة د. محمد المهدى إستشارى الطب النفسى
|
تعيش فى قرية صغيرة مجاورة لأحد مدن وسط الدلتا ولا يفصلها عن المدينة غير نهر النيل ووسيلة الانتقال من القرية إلى المدينة هى مركب (معديّة) تنقلها مقابل عشرة قروش , وهى تحتاج لعبور نهر النيل بالمعدية يومياً نظراً لأن عملها كموظفة فى المحكمة يستدعى ذلك , ولم يكن ذلك مشكلة من قبل , ولكن فى الشهور الأخيرة حدث تطور خطير لم تعد تحتمل الحياة فى وجوده , فلديها طفله عمرها 4 سنوات وكانت قد إعتادت أن تأخذها معها لتضعها فى أحد دور الحضانة ثم تعود بها فى الثانية بعد الظهر حيث أنه لا يوجد من يعتنى بها فى المنزل , فالزوج لا يعمل منذ عدة سنوات وهو لا يتركها فى حالها , وإنما يعتدى عليها بالسب والضرب , ويطلب منها مالاً ينفقه على الكيف الذى يتعاطاه فى القهوة , ومع كل هذا يحتقرها احتقاراً شديداً ويطعنها فى شرفها وفى أنوثتها , ولكنها تحتمل ذلك من أجل مستقبل ابنتها وحتى لا تنشاً بدون أب .
الجديد فى الأمر أنها منذ حوالى أربعة شهور وبينما هى تعبر النيل فى المعدية جاءها هاجس سرعان ما تحول إلى رغبة ملحه فى أن تلقى طفلتها فى النيل , عندئذ ارتعدت أطرافها وتفصدت عرقاً وأصابها خوف شديد وكادت أن تصارح من بجوارها بهذه الرغبة المجنونة لولا خوفها من اتهامهم لها بالجنون وربما أخذوا منها أبنتها للأبد خوفاً عليها منها ... وظلت تصارع هذه الهواجس والدوافع إلى أن وصلت « المعديّة » إلى الشاطئ الآخر فتنفست الصعداء وحمدت الله على أن ابنتها مازالت فى حضنها وراحت تقبلها وكأنها تعتذر لها عن هذه الرغبة المجنونة التى ساورتها للحظات , ثم استعاذت بالله من الشيطان الرجيم واعتقدت أنها وساوس شيطان وذهبت إلى الأبد , ولكن فى رحلة عودتها ساورتها هذه الأفكار مرة أخرى , وأصبحت تساورها كلما ركبت فى « المعدية » ومعها ابنتها , ونشأت مشكلة حقيقية , فهى لا تستطيع ترك ابنتها وحدها فى البيت مع أب مدمن غير مسئول , وفى نفس الوقت لا تحتمل هذه الأفكار التى تساورها أثناء عبور النيل , والأهم من ذلك هى تخشى أن تضعف فى أحد المرات وتلقى بابنتها فى النيل , وقد كانت فعلاً فى بعض المرات قريبة من ذلك الفعل , لذلك قررت أن لا تذهب إلى العمل وجلست فى بيتها حزينة لا تقدر على شئ على الرغم من إحتياجها الملح للعمل فهو مصدر دخلها الوحيد هى وابنتها وزوجها الذى لا يعمل .
![]()
التعليق على الحالة :-
يبدو أن هذه المريضة قد عانت صراعات كثيرة بسبب سوء معاملة زوجها لها وقعوده عن العمل وتحملت بسبب ذلك ضغوطا كثيرة , فهى مطالبة بالعمل للإنفاق على نفسها وعلى أبنتها وعلى نزوات زوجها , ومطالبة بعد كل هذا بتحمل احتقاره لها وإهانته إياها , وقد قررت احتمال كل هذا على مضض حفاظاً على وجود شكل أسرى تربى فيه ابنتها وحتى لا تحرمها من وجود الأب على حد قولها , وهنا أصبحت ابنتها هى السبب الأهم لاستمرار علاقتها بزوجها على الرغم من أن هذه العلاقة تسبب لها إيذاءاً نفسياً وبدنياً شديداً ,أى أن ابنتها أصبحت هى الآن محور الصراع .
ومع استمرار هذه الضغوط وتزايد حدة القلق أصابتها أفكار ونزعات وسواسية قهرية , وكانت كلها تدور حول التخلص من محور الصراع وهو ابنتها التى تحبها وليس لها فى الدنيا غيرها , والفكرة الوسواسية تبدو مستهجنة وترفضها المريضة .., وتقاومها بكل ما تملك من قوة , وهى غالباً لا تنفذها ولكنها تتعذب بها وتخشى أن تضعف فى وقت من الأوقات أمامها , ولهذا قررت أن تتجنب الموقف المثير لهذه الأفكار والنزعات وجلست فى بيتها وبدأت تظهر عليها أعراض الإكتئاب .
والعلاج هنا يتمثل فى إعطائها عقاراً أو أكثر من عقاقير الوسواس القهرى بجرعة مناسبة ولوقت كافٍ يتراوح من ستة شهور إلى سنة , ويصاحب ذلك علاج نفسى وعلاج زواجى أو عائلى , حيث تحتاج هذه المريضة الدعم النفسى من معالج متفهم و مساند , وتحتاج إلى الوصول لحلول واقعية فى أزمتها مع زوجها ,وإذا رفض زوجها التعاون , وهو غالباً سيرفض فيستحسن إستدعاء بعض أفراد عائلتها لكى يقفوا على حجم المعاناة التى تعيشها المريضة ويساهموا بشكل أو بآخر فى المساندة والدعم حتى تصل المريضة معهم ومع المعالج إلى قرارات تجعلها فى وضع أفضل بعيداً عن تلك الضغوط والصراعات .