ابنى يرفض المذاكرة
" ابنى طالب فى الصف الثانى الثانوى كان متفوقاً جداً حتى أتم الشهادة الإعدادية ، ولكنه الآن لا يريد أن يذاكر رغم أن الامتحانات على الأبواب ، ويريد أن يقضى وقته كله بين التليفزيون والإنترنت والألعاب الأخرى وخاصة " البلاى ستيشن" وقد حاولت معه بكل وسائل الترغيب والترهيب فأنا أعمل مدرسة ولدى خبرة معقولة فى الوسائل التربوية ، ولكن للأسف باءت كل محاولاتى بالفشل ، بل على العكس كلما ازدادت محاولاتى لدفعه للمذاكرة ازداد هو عناداً ، وأنا الآن فى حالة نفسية سيئة جداً لأنه هو الابن الوحيد لى ووالده يسافر كثيراً ولا يعلم عنه شيئاً وأنا المسئولة عنه فى كل شئ وهو كل حياتى ولا أتحمل أن يضيع مستقبله أمام عينى ، وهو للأسف الشديد لا يهتم بمستقبله وكأن الموضوع لا يعنيه فى شئ على الرغم من أنه طوال مرحلة طفولته كان طفلاً مطيعاً ومهذباً ، وكنت أعطيه كل وقتى وكان يحقق نتائج ممتازة ، ولكنه الآن متمرد وغير مهتم بأى شئ غير اللعب ، ولست أدرى ماذا أفعل معه "
س . أ . ن بورسعيد
هذه الحالة تحوى مشكلات متعددة ومتداخلة لابد من رؤيتها جميعا حتى نحسن التعامل معها ، فهذا الطالب هو الابن الوحيد ، والابن الوحيد فى كثير من الأحيان يكون مشكلة حيث تحيطه الأسرة وخاصة الأم بكل أنواع الرعاية والحماية والتى كثيراً ما تتجاوز القدر الصحى المطلوب فينشأ الطفل ولديه ميول حب الذات والأنانية والاعتمادية على الآخرين فى تحقيق رغباته ، وعدم الشعور بالمسئولية وعدم القدرة على القيام بالواجبات المطلوبة منه تجاه دراسته أو اسرته ، ولا تظهر المشكلات فى الطفولة المبكرة حيث أن هذه الصفات لا تكون مزعجة للأسرة فى هذه المرحلة ، ولكنها تظهر وبوضوح فى مرحلة المراهقة حيث تكتشف الأم أن ابنها لا يشعر بأى مسئولية تجاه نفسه أو تجاه أسرته أو تجاه مستقبلة فهو يعيش حتى هذه المرحلة كطفل مدلل لا يهمه غير البحث عن اللذة فى وسائل التسلية أو الجلوس السلبى فى البيت . ومن الواضح أن الأم قد ساهمت دون أن تدرى فى تأخير نضج هذا الابن حيث أنها عاشت حالة من الوحدة بسبب غياب أبيه فحاولت أن تملأ حياتها طوال الوقت بالانشغال بهذا الطفل الوحيد فتذاكر له دروسه وتفعل له كل شئ وتحرص على أن يظل خاضعاً لها ومرتمياً فى احضانها طول الوقت ، ولذلك لا يستطيع هذا الطفل أن ينضج وأن يتحمل أى مسئولية وهو يرى أن موضوع الدراسة مشكلة تخص أمه وليست مشكلته هو ولذلك فهو يستخدم هذا الأمر للضغط على أمه وابتزازها أحياناً ، بحيث إذا أراد أن يغضبها يتوقف عن ذلك فأصبحت الدراسة لعبة يلاعب بها أمه وليست واجباً أو شيئاً يحدد مستقبله وكلما ازدادت حيرة الأم واضطرابها كلما ازدادت سعادة هذا الابن لان هدفه أصبح الضغط على الأم والتحكم فيها من خلال موضوع المذاكرة ، أى أن الموضوع تحول إلى وسيلة " للى ذراع الأم " لا أكثر ولا أقل والأم يزداد قلقها مع الوقت لأنها تشعر بمسئولية ضخمة تجاه ابنها فيلومها الأب ويلومها الناس على تقصيرها أو خطئها فى تربيته على الرغم من أنها أعطته كل شئ فى حياتها بل أصبح هو حياتها . هذا القلق الشديد لدى الأم يؤدى إلى اضطراب شديد فى علاقتها بالابن حيث يزداد اصرارها على نجاحه فى حين يزداد عناد الابن وتمرده وبهذا يدخل الاثنان فى صراع دائم تختفى معه معالم الحب والحنان داخل البيت لأن الأم تحولت إلى مدرسة كثيرة الالحاح والضغط والابن تحول إلى طالب شقى مشاغب متمرد . وربما لا يستطيع الاثنان الخروج من هذه الدائرة المغلقة دون تدخل علاجى رشيد يعيد الأمور إلى نصابها وهو ما نسميه بالعلاج النفسى الأسرى ويتم فى عدة جلسات تحضرها الأم مع الابن والأب حيث تتم مناقشة كل العوامل سالفة الذكر فى جو من التعاون وعدم محاولة القاء اللوم على أى طرف من الأطراف فالكل يعانى والكل يحتاج إلى المساعدة فالأم يجب أن تبدأ فى رفع وصايتها عن الابن وأن تتعود أن تعيش حياتها بشكل أفضل وتعيد تقوية علاقتها بزوجها – تلك العلاقة التى ادى احباطها إلى اندفاع الأم نحو ابنها تختصه بمشاعرها الزائدة وتعوقه بمخاوفها وأحزانها وإذا نجحت الأم فى اعادة ضبط المسافات بينها وبين زوجها وبينها وبين ابنها يصبح هناك أمل فى تعديل توزيع المشاعر داخل الاسرة ، ويبدأ الابن فى التحرر من القيود الحريرية التى كبلته بها الأم "المحبة القلقة الوحيدة المحبطة " وهنا يلوح الأمل فى امكانية نضج الابن ولكن بعد وقتٍ كافٍ وبمساعدة من الأب الذى تخلى عن مسئوليته التربوية فى السابق وانشغل بنجاحه الشخصى أو بجمع المال ولم يعط نموذجاً للرجولة الناضجة المسئولة للابن فنشأ الأخير ضعيفاً رخواً طفيلياً . وفى هذه الجلسات العلاجية سوف يعطى الابن وقتاً كافياً للتعبير عن مشاعره وعن صعوباته ، ثم يلى ذلك تبصيره بالمشكلات القائمة واشراكه بشكل ايجابى فى حلها لكى ننقذ ما يمكن انقاذه فى الوقت القصير المتبقى على الامتحانات وخاصة أننا سنطلب من الأم أن تترك دور المدرسة فى المنزل وتعود لممارسة الأمومة مع الابتعاد عن الالحاح والتدخل الدائم فى حياة ابنها ، ونعلن للابن انه من الآن مسئول عن مستقبله وعن دراسته وأن الأسرة سيقتصر دورها على توفير جو ملائم له لكى يساعده على القيام بواجبه وسنعلن أن من حق الأسرة التحكم فى وسائل التسلية فى الفترة التى تسبق الامتحانات حتى تعطى الفرصة للابن للقيام بواجبه فى هذه الظروف الجادة ، وله الحق بعد ذلك فى الاستمتاع بهذه الوسائل فى فترة الإجازة .
ويجب أن ننتبه إلى أن هناك عامل آخر مهم يأتى من خارج دائرة الأسرة ، وهو أن العملية التعليمية أصبحت فى الوقت الحالى تخلو من الجوانب الوجدانية التى تجعلها محببة إلى الطلاب ، وتحولت بسبب الدروس الخصوصية وأسباب أخرى إلى عملية حشو قسرى للمعلومات بهدف تحقيق أعلى الدرجات ، والطالب لا يشعر بالحماس تجاه ما يجرى ولكنه مجبر على الانصياع بلا روح لهذه العملية . ومن هنا وجب مراجعة هذا الموقف على المستوى العام حتى لا نفاجأ بتمرد ابناءنا وعنادهم وسلبيتهم
دكتور / محمد المهدى
استشارى الطب النفسى