مقالات د .محمد المهدى

 

طفلى الخائف المتردد

" لى طفل فى السنة الثالثة الابتدائية يتمتع بذكاء مرتفع ويذاكر دروسه بشكل جيد ويحصل دائماً على أعلى درجة بين زملائه ومع هذا عندما يطلب منه المدرسين الإجابة عن سؤال أمام زملائه فى الفصل يصاب بحالة من الخوف والاضطراب ويتعلثم فى الكلام وينطق الحروف بطريقة غير صحيحة ويفشل تماماً فى الإجابة رغم معرفته الجيدة لها . ويحدث هذا معى أيضاً فى البيت حين أفاجئه بسؤال معين ، ولذلك كثيراً ما أعنفه أنا أو أبوه بسبب هذا الشىء لأننا فى بيئتنا نعتبر أن هذا الخوف عيب كبير لا يليق بإنسان سيصير رجلاً فى يوم ما ، ولكن كلما فعلنا ذلك زاد خوفه وتردده واضطرابه … فماذا نفعل "

م . ن . ع دمياط

هذا الطفل الذكى شديد الحساسية نحو الخطأ ونحو النقد لذلك يظهر خوفه وتردده فى المواقف الاجتماعية لأنه استقر فى وعيه من طريقة نشأته أنه لا يجب أن يخطئ أبداً لذلك إذا ساوره شك فى أن إجابته تحمل ولو 1% من الخطأ فإن قلقه يزداد ويتعلثم لسانه وترتعد فرائصه ويفضل السكوت على المغامرة بالإجابة حتى لا يتعرض للانتقاد أو السخرية أو الرفض . وأهم شئ يحتاجه هذا الطفل هو القبول من الأم والأب ثم من الأسرة كلها ، قبول غير مشروط يشعر معه أنه محبوب وأن كلامه محبوب وأن الأبوين ينصتان إليه فى هدوء وراحة وسعادة ولا يستعجلانه فى الكلام ولا ينتقدان طريقة كلامه ولا يعنفانه ، بل على العكس يفرحان بكل كلمة ينطقها ويستوعبانها ويتفهمانها ويستجيبان لها ، عندئذ سيشعر أن كلامه له وقع حسن على الناس فيشجعه ذلك على مزيد من التعبير عن نفسه دون خوف أو تردد . وفى حالة هذا الطفل الحساس الذى يفتقد إلى الثقة بالنفس يجب أن يقلل المحيطون به من انتقاده أو توبيخه أو الصراخ فى وجهه أو استعجاله للإجابة عن تساؤلاتهم أو لومه حين يعجز عن الإجابة ، لأنه يحتاج إلى الطمأنة وإلى القبول أكثر من حاجته إلى الانتقاد . وهناك خطأ يقع فيه بعض الآباء وهو أنهم لا يسمحون لأطفالهم بالجلوس حيث يجلس الكبار من الأهل أو الأصدقاء وينهرون الطفل إذا اقترب منهم مدّعين بأن هذا عيب وأن هذا مجلس كبار فقط ، وهذا الموقف يولد لدى الطفل رعباً من الكبار وخوفاً من مواجهتهم فضلاً عن الحديث معهم . لذلك من الأفضل أن يتيح الفرصة للطفل أن يحضر معنا مجالس الكبار وأن نفرح بمشاركته الحديث معنا وأن نحترم وجهة نظره
ولا نسفهها أو نستهين بها .

النقطة الثانية هى أن هناك بعض الأسر تضع قيوداً شديدة على التعبير عن النفس أو المشاعر وتعتبر ذلك نوع من الوقاحة ، وهنا يفضل الطفل أن يوجه كل شئ لديه إلى الداخل وهذا يحرمه من التفاعل الاجتماعى مع الآخرين ويدفعه للانطواء والخجل .

والطفل أولاً وأخيرا فى حاجة إلى جو من السماح يمارس فيه التجربة والخطأ لكى يتعلم ، فإذا خلقنا لديه رعباً من الوقوع فى الخطأ فإنه سيحجم عن أى محاولة وسيتوقف عن المغامرة ويلوذ إلى السكون والجمود بحثاً عن الأمان وإيثاراً للسلامة ، وهنا يكمن الخطر فى توقف نموه العقلى والانفعالى والسلوكى وفى بعض الحالات نجد أن الأبوين يبالغان فى عقاب الطفل لذلك يصبح الطفل مرعوباً من هذا العقاب القاسى فيكبر وقلبه ملئ بالخوف من عقاب الآخرين وتوقع الانتقام منهم .

وهذه الحالات التى ذكرناها لو لم يتم تداركها فى الصغر فإنها تفرز ما يسمى بحالة " الرهاب الاجتماعى " وهى حالة من الخوف الشديد تنتاب الشخص حين يواجه الناس فى أى مكان ولا يستطيع التحدث أمامهم حيث ترتعش أطرافه ويتهدج صوته وتنقطع أنفاسه ويتصفد عرقه ويحمر وجهه أو يصفر ، لذلك فهو يحاول جاهداً أن يتجنب المواقف الاجتماعية وهذا ربما يخلق له مشاكل عديدة خاصة إذا كان مدرساً أو خطيباً أو اضطرته ظروفه للتعامل مع مجموعات من الناس وهى حالة مرضية تحتاج للعلاج الدوائى والنفسى

دكتور / محمد المهدى

استشارى الطب النفسى