الصحة العقلية فى مصر ليست على قائمة أولويات الرعاية الصحية وإنما تحتل هذه الأولويات قضايا مثل البلهارسيا وتحديد النسل والأمراض المعدية عند الأطفال وانضم إليها أخيراً التدخين وسوء استخدام العقاقير الممنوعة

والطب النفسى من العلوم الطبية التى مازالت تتطور والتى لا تزال تحتاج للكثير من الجهود لتصل إلى مرحلة النضج 000فهناك التقسيم الأمريكى للطب النفسى الذى يقسم الأمراض النفسية وهذا التقسيم يتغير كل عدة سنوات حتى وصلنا الآن إلى التقسيم الرابع المعدل DSM IV.

وهناك أيضا التقسيم العالمى للطب النفسى التى تتولى منظمة الصحة العالمية إصداره وقد وصل هذا التقسيم إلى التقسيم العاشر سنة 1992 ومازال العلماء فى العالم يحاولون التقريب بين التقسيم الأمريكى والتقسيم العالمى للاتفاق على صفة موحدة لتقسيم الأمراض النفسية.وبسبب عدم استقرار التقسيمات فإن النظرة إلى هذا العلم – حتى بين الأطباء الآخرين – لم تصل إلى مرحلة الاقتناع الكامل بين الأطباء.ولذلك فإن هذا الفرع من الطب يعانى من تدخل غير المتخصصين فى مجال الطب النفسى000 ويلعب المعالجون الشعبيون والدينيون فى مصر دوراً أساسيا فى الرعاية الطبنفسية الأولية إذ يتعاملون مع حالات العصاب الخفيفة والحالات النفسجسدية والحالات الذهانية العابرة وذلك باستخدام علاجات نفسية دينية وجماعية تستند إلى الإيحاء وبعض الأدوات كالاحجبة والتعاويذ (عكاشة 1966).

وقد قدرت فى إحدى الدراسات أن حوالى 60% من المرضى الخارجين المترددين على عيادات الجامعة فى القاهرة والمنتمين إلى الطبقات الدنيا قد لجئوا أولاً إلى المعالجين الشعبيين قبل أن يستشيروا الطبيب النفسى.

وفى مجال عملى فى هذا المجال من الطب النفسى لاحظت أن أغلب المرضى يمرون فى خلال فترة علاجهم على الأطباء الباطنيين أو الجراحين أو على المعالجين الشعبيين -وأغلبهم للأسف من الدجالين – لعلهم يجدون الشفاء عند هؤلاء المعالجين.

*****

وأذكر حكاية طريفة حدثت لاحدى المريضات والتى حضرت مع ابنة عمها للكشف فى المستشفى.

وبعد مناقشة طويلة مع المريضة وافقت على تأجيل عملية الاستكشاف مدة 3 أسابيع لتجربة العلاج النفسى كحل مؤقت000 ولكن مع اقتناعها بعدم أهمية العلاج النفسى لحالتها لأن حالتها عضوية 000 وأنها مصممة على العملية بعد مرور الثلاث أسابيع وبعد حصولها على التقرير النفسى الذى يفيد أن حالتها النفسية سليمة000 ووعدت ابنة العم الطبيب بأنها سوف تشرف بنفسها على العلاج النفسى خلال تلك المدة

****

وبعد مرور 3 أسابيع حضرت المريضة مع أسرتها وبادرتها بالسؤال:-

واستمر العلاج النفسى لمدة شهر آخر وبعد شهر حضرت المريضة وكانت فى حالة من الاستقرار النفسى وقالت أن موضوع الدودة اختفت خلاص وطلبت زيادة دواء من الأدوية الفاتحة للشهية حتى تستطيع العودة للجسم الطبيعى مرة أخرى.

*****

وقد شُخصت حالة المريضة بأنها نوع من أنواع ضلالات توهم العلل البدنية 000وطلبت من ابنة عم المريضة أن ترسل التقرير النفسى للطبيب الجراح وذكرت فيه أن هذا المرض هو نوع من الأمراض النفسية وفيه يختلف درجة التوهم المرضى من توهم بسيط حيث ينتبه المريض انتباهاً مركزاً على وظائف أعضاء جسمه ثم يتدرج هذا التوهم ليصبح محوراً لتفكير المريض واقتناعه بأنه يعانى من مرض خبيث لا يُرجى الشفاء منه على الرغم من تأكيد الأطباء بسلامة أعضائه 00وعادة ما يصاحب هذا النوع من التوهم المرضى مزاجاً اكتئابياً وأخيراً يصبح هذا التوهم نوع من أنواع الضلالات المرضية عندما يؤمن المريض إيمانا راسخاً بوجود مرض أو تورم أو الآم ولا يمكن إقناعه بسلامته بالرغم من الفحوصات الطبية والتحاليل السليمة.

وقد أرسلت التقرير للطبيب الجراح ونبهت على أسرة المريضة على ضرورة توصيله للزميل الجراح كنوع من أنواع تبادل المعلومات وحتى يستطيع أن يتجنب فى المستقبل إجراء عمليات الاستكشاف التى تجرى -بدون داع- لبعض المرضى النفسيين الذين يعانون من أمراض نفسية وليست عضوية.