نحو موسوعة نفسية إسلامية

 

 

أضواء على بعض الجوانب الخفية للأمراض النفسية

المرض النفسي وأعمال الشيطان

د.لطفي الشربيني

استشاري الطب النفسي

الصفحة الرئيسية

يدور هذا الموضوع حول قضية هامة هي علاقة الروحانيات بالمرض النفسي وهنا نجيب على أسئلة تدور بالأذهان ..منها على سبيل المثال :

bulletرمز نقطي

هل يسبب الشيطان المرض النفسي ؟

bulletرمز نقطي

ما رأي الطب النفسي في كلام الجن والشياطين على لسان بعض المرضى ؟

bulletرمز نقطي

هل لحالات الوسواس القهري والصرع علاقة بوساوس الشياطين ومس الجن ؟

bulletرمز نقطي

ما هي وجهة نظر الطب النفسي في معتقدات الناس حول الشياطين والأمراض النفسية ؟

والشيطان معروف للجميع .. وهناك من الكتب والمؤلفات الكثير حول كل ما يتعلق به من النواحي الدينية وقد صادفني مؤخرا بحث علمي بعنوان "الشيطان في الفكر الإسلامي " كما طالعت في إحدى المكتبات عناوين لكتب منها " تلبيس إبليس" وإغاثة اللهفان من مصايد الشيطان " وغير ذلك كثير كما قرأت أن الشيطان ورد ذكره في القرآن الكريم 88 مرة وفي الأحاديث الشريفة 0170 مرة وإبليس ذكر في القرآن 11 مرة وفي الحديث 56 مرة .. وهنا عزيزي القارئ – أتناول بعض الجوانب النفسية للعلاقة بين الشياطين والمرض النفسي .. فلنقرأ معا سطور هذا الموضوع :

كيمياء الأمراض النفسية ودور الشيطان :

هناك اعتقاد قوي لدى قطاعات كبيرة من الناس خصوصا المصابين باضطرابات نفسية واقاربهم بأن هناك قوي خفية تسببت في أصابتهم بالمرض النفسي ن وهم يتفقون على ذلك وكأنه حقيقة مسلم بها ، ويظل الخلاف في الكيفية التي يعمل بها الجن أو الشياطين فيتصور البعض انهم يدخلون الى داخل جسد الانسان ويسببون له الاضطراب الذي لا يشفي ألا بخروجهم منه ، ويعتقد البعض الآخر ان مجرد المس من جانب هذه المخلوقات يكفي لحدوث المرض ويرى آخرون ان المسالة هي وساوس يقوم بتوجيهها الشيطان الى ضحاياه عن بعد.. والشيطان في كل الحالات متهم بأنه السبب الرئيسي وربما الوحيد وراء المرض النفسي على وجه الخصوص واحيانا بعض الحالات المرضية الأخرى ، ويدفع هذا الاعتقاد الكثير من المرضى الى طلب العلاج لدى الدجالين والمشعوذين الذين يتعاملون مع الجن والشياطين دون التفكير في اللجوء الى الطب النفسي الا بعد مرور وقت طويل من المعاناة

وبحكم العمل في الطب النفسي فان نسبة لا تقل عن 7.% من المرضى يذهبون في البداية الى المعالجين الشعبين أو المشعوذين قبل ان ان يفكروا في زيارة الطبيب النفسي ، ورغم أنه لا يوجد دليل واحد على علاقة الشيطان بالأمراض النفسية فان بعضا من المتعلمين الى جانب البسطاء لا يستطيع فهم الحقائق العلمية التي تؤكد أن غالبية الأمراض النفسية الرئيسية قد تم التوصل الى معرفة أسبابها وأنها نتيجة تغييرات كيميائية في الجهاز العصبي يمكن علاجها عن طريق تعديل الخلل الذي يعاني منه المريض باستخدام الأدوية النفسية الحديثة وكما سنعرض نماذج لذلك في هذا الموضوع فان الشيطان ليس له دور مطلقا في هذه المسالة .

عندما يتكلم الشيطان !!!

من الحالات الغريبة التي يتناقل الناس الحديث حولها في المجتمعات العربية حالات لمرضى يغيبون عن الوعي ويبدأ الشيطان أو الجن في الحديث من داخلهم !!! فالكلام يصدر عنهم لكنه بنبرات وأسلوب يختلف عن طريقتهم المعتادة في الحديث والكل هنا يؤكد أن المتحدث هو المخلوق الغريب بداخلهم وربما يذكر هذا المتحدث اسمه وديانته والمكان الذي حضر منه فهناك الجن الكافر وهناك الشيطان الصغير والفتاة المثقفة والمرأة التي تبدي رغبتها في الزواج من المريض أو الرجل الذي يؤكد أن يحب ضحيته ولن يتركها وكل هذه نماذج من الشياطين الذين يتحاورون مع المحيطين بالمريض وكثيرا ما يقدم الواحد منهم بعض المطالب حتى يتخلى عن المهمة التي يقوم بها مع هذا المريض ويتركه وشأنه والكلام هنا مؤكد وتسمعه من مصادر كثيرة لدرجة أن بعض الناس يقول لك أن لديه تسجيلات لهذه الوقائع بصوت الشيطان نفسه حتى يصدق الجميع ذلك فما تفسير هذا من وجهة نظر الطب النفسي ؟؟ والواقع أنني شخصيا قد استمعت الى مثل هذه الأشياء في حياتي العملية عدة مرات لكن هذه الحالة أيضا لا علاقة لها بالشيطان نهائيا ، والمتحدث هنا هو المريض النفسي وهي في حالة نطلق عليها التحول الهستيري يغيب فيها عن الوعي مؤقتا وتظهر بعض محتويات علقه الباطن فيقوم بالتنفيس عن بعض رغباته المكبوتة ويهرب من الواقع والضغوط التي لا يحتملها فيتصور الجميع ان بداخله شيطان يتكلم ، وهذه الحالات لا تحتاج الى جلسات "الزار" أو الذهاب الى الدجالين ، أو ضرب المريض بقسوة لاخراج الجن ، كل ما في الأمر هو تهدئة المريض وبحث حالته النفسية والتعامل مع الضغوط التي يتعرض لها ، وهنا تتحسن الحالة دون تعامل مع الشيطان ..

الأصوات والخيالات والوساوس مرضية أم شياطنية ؟ !

 مرض الوسواس اقهري هو أحد الأمراض النفسية الشائعة بصورة لم نكن نحيط بها من قبل حيث اعتقد الأطباء النفسيون أنه من الحالات النادرة لكن الدراسات الحديثة تؤكد انه يصيب 3% من الناس .. وقد ارتبط هذا المرض في الأذهان بوساوس الشياطين بسبب التشابه بين مسمى " الوسواس القهري" ووصف الشيطان الوسواس الخناس الذي ورد في القرآن الكريم ، لكن إذا علمنا ان الوسواس القهري قد أصبح من الأمراض التي تم كشف النقاب عن الكثير من أسرارها ، وان هذه الحالات لها علاقة ببعض المواد الكيميائية في المخ مثل مادة " السروتونين" التي يتسبب اختلالها في أعراض الوسواس القهري وهي :

bulletرمز نقطي

أعمال وسواسية في صورة تكرار أفعال وطقوس لا معني لها مثل غسلا الأيدي أو الطهارة عند ملامسة أي شيء أو التمتمة بكلمات أو أعداد معينة قبل بدء أي عمل ، أو إعادة الوضوء عدة مرات قبل الصلاة ..

bulletرمز نقطي

أفكار وسواسية مثل الانشغال والاستغراق في التفكير في موضوعات تافهة وقضايا لا حل لها مثل مسالة البيضة والدجاجة ومن الذي أتى أولا ؟ أو البحث في شكل الشيطان وماذا يأكل وكيف يعيش؟ أو أفكار دينية أو جنسية لا معني لها تشغل التفكير وتعوق الشخص عن مزاولة حياته ..

bulletرمز نقطي

مخاوف وسواسية لا أساس لها من أشياء ليست مصدر خوف على الإطلاق وكل هذه الصور لحالات الوسواس القهري هي حالات مرضية يتعامل معها الطب النفسي حاليا بالعلاج الدوائي الذي يعيد الاتزان النفسي ونسبة الشفاء عالية حاليا باستخدام أجيال الأدوية الحديثة ولا علاقة للشيطان بكل هذه الوساوس المرضية ... اما الهلاوس فهي ان يتصور المريض أنه يرى أشباحا أو يسمع أصواتا تتحاور معه او تهدده أو تأمره بأن يفعل أشياء معينة ، وقد يفسر الناس ذلك بأن الشياطين هي التي تفعل ذلك لكن ومن جهة نظر الطب النفسي هي وجود خلل في جهاز الاستقبال لدى المريض يجعله يستقبل صورا وأصواتا لا وجود لها وهذه الحالات أيضا تتحسن بالعلاج بالأدوية الحديثة ولا دخل للشيطان في هذه الأعراض النفسية المرضية التي تحدث في مرضى الفصام والأمراض العقلية الذهنية .

مرض الصرع ومس الشيطان :

يعتبر الصرع من أكثر الأمراض العصبية انتشارا حيث يصيب 1% من الصغار والكبار، ومن أعراضه حدوث نوبات غياب عن الوعي قد تكون شديدة أو خفيفة وفي حالة النوبة الكبرى يسقط المريض على الأرض في حالة تشنج يهتز لها كل جسده ويغيب عن الوعي نهائيا ولا يفيق الا بعد مرور وقت طويل وتتكرر هذه النوبات في أي وقت وأي مكان وقد كان التفسير الشائع لهذه النوبات أنها نتيجة مباشرة لمس الجن وكان بعض الناس يستندون الى التشبيه الذي ورد في آيات القرآن الكريم " لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) ..وظل مرض الصرع موضوعا للكثير من الخرافات والأوهام وتعرض المرضى لكثير من الممارسات غير الطبية ظنا من الناس ان الأرواح والشياطين وراء حدوثه حتى كشف الطب الحديث حقيقة هذا المرض ونوبات الصرع كما تبين من خلال الأبحاث الطبية هي نتيجة لخلل في موجات المخ الكهربائية نتيجة شحنات زائدة من بؤرة نشطة تسبب إثارة الخلايا العصبية وتحدث النوبة نتيجة لذلك ، ويمكن كشف ذلك ببساطة حاليا عن طريق جهاز رسم المخ EEG الذي يلتقط هذه الإشارات ويحدد شدتها ومكانها ، كما يمكن علاج حالات الصرع عن طريق الأدوية التي تسيطر على هذا الخلل الوظيفي في المخ ، ولا علاقة نهائيا للجن والشياطين والأرواح الشريرة بهذا المرض كما كان يعتقد من قبل.

وفي ختام هذا الموضوع حول الشيطان والمرض النفسي فأننا نذكر بعض الحقائق العلمية الهامة التي تمثل وجهة نظر الطب النفسي في هذه المسالة وهي :-

bulletرمز نقطي

لا دخل للشيطان بالأمراض النفسية والعضوية التي تصيب الانسان ، واسباب هذه الأمراض اكتشف الطب جوانب كبيرة منها ، وتوصل الى علاجها بعيدا عن أي قوى خفية .

bulletرمز نقطي

لا يوجد ما يدعو الى تعظيم شأن الشيطان بأن ننسب إليه أشياء كثيرة مع أنه كما نعلم من نصوص القرآن اضعف من ذلك بكثير ولا يستطيع السيطرة على الانسان الا من خلال قدرته المحدودة على الإغواء لبعض الناس ممن لديهم الاستعداد لذلك.

bulletرمز نقطي

القضية التي ناقشناها هنا في هذا الحيز المحدود بعيدة عن أي جدل فقهي والمطلوب هو حملة توعية لتوضيح الحقائق حتى لا يختلط العلم والأيمان الخرافة والدجل.

bulletرمز نقطي

الممارسات التي يقوم بها أدعياء الطب والدجل والشعوذة بالاستغلال معتقدات الناس حول الشيطان وعلاقته بالمرض النفسي يجب ان يتم وضع حد لها بعد ان تطور الطب وتوصل الى كشف الكثير عن أسباب وعلاج هذه الحالات .

bulletرمز نقطي

وأخيرا فأننا بعد مناقشة هذه النقاط لم نغلق هذا الموضوع بل نعتقد أنه أصبح مفتوحا لمزيد من الآراء بعد توضيح هذه الحقائق من وجهة النظر النفسية ، ونرجو ان نكون قد وفقنا الى إلقاء الضوء على هذه الجواب الغامضة للأمراض النفسية مع تمنياتنا بصحة نفسية .

أعلى الصفحة