|
« الغربة عن الذات »
د.محمد المهدىإستشارى الطب النفسى |
كنت أنا وابنى الصغير (5سنوات) فى انتظار مترو الأنفاق وحين إقترب اندفع إبنى نحو الحافة وكاد أن يسقط أمام المترو لولا أن الله ستر حيث اندفعت بغريزة الأمومة وتعلقت بثيابه وانتشلته فى آخر لحظة , وجلست بعدها لأكثر من ساعة لا أستطيع الكلام أو الحركة .. ثم بعد ذلك عدت إلى ممارسة حياتى ولكن هناك شعور مؤلم لم يفارقنى على مدى ستة شهور منذ ذلك الحدث , وهو أننى أشعر بتغيير كبير فى نفسى وفى شكلى .. أستغرب وجهى حين أنظر فى المرآة .. وأستغرب شكل يدى وبقية أعضاء جسمى .. وحين أتكلم أشعر أن الصوت ليس صوتى .. ومشاعرى أيضاً تغيرت فأنا أعيش وأتحرك وأتعامل مع الناس بشكل آلى .. حتى أبنائى وزوجى وهم كانوا أحب الناس إلى قلبى , لا أشعر الآن بهم رغم أننى أقوم بواجباتى نحوهم قدر استطاعتى .. إنه شعور مؤلم للغاية لا أدرى كيف أتخلص منه .
التعليق على الحالة
فى حالة التعرض لصدمه شديدة مثل تلك التى حدثت يحدث ما يشبه الزلزال فى الجهاز العصبى ويتمثل ذلك الزلزال فى تغيرات فسيولوجية وتغيرات فى الناقلات العصية , وهذه التغيرات يمكن أن تزول بعد فترة ويرجع الشخص إلى حالته الطبيعية ويمكن أن تستمر فى صور شتى منها اضطراب كرب ما بعد الصدمة أو القلق المزمن أو الإكتئاب . والعرض المرضى الذى بقى عند صاحبة المشكلة هو ما نسميه «اضطراب الإنيّه» أو بمعنى أكثر بساطة «الغربة عن الذات» وهو عرض يمكن أن يكون ضمن أعراض القلق أو الإكتئاب أو أمراض نفسية أخرى , ويمكن أن يحدث منفرداً , وفيه تشعر المريضة بغربتها عن نفسها , غربة فى الشكل وفى المشاعر , وهذا إحساس شديد الإيلام لأنها تكون ضائعة من نفسها على الرغم من أنها تعرف أنها هى , ولكنها ليست كما كانت . والسبب فى هذا الإضطراب غير معروف على وجه التحديد ولكن هناك إحتمالات مختلفة منها التغيرات الفسيولوجية وما يمكن أن تحدثه من تغيير لمستويات الإدراك ومنها التغيرات فى الناقلات العصبية وما يمكن أن تحدثه من تغيير فى المشاعر .
والعلاج فى هذه الحالة يبدأ بإعطاء دواء مناسب للإضطراب النفسى الموجود سواء كان قلقاً أو إكتئاباً وفى نفس الوقت يكون هناك علاجاً نفسياً موازياً يتيح للمريضة التحدث بلاخوف عن الحادث الذى سبب هذا الإضطراب بكل تفاصيله وأن تستعيد المشاعر التى صاحبت هذا الحادث , وهذا يحدث عملية تفريغ لشحنات مخزونة من القلق والخوف والإكتئاب تشعر بعدها المريضة أنها أصبحت أكثر قرباً من ذاتها الحقيقية ,خاصة مع إستعادة التوازن الكيميائى المتحقق عن طريق العلاج الدوائى .
والمهم بعد ذلك أن تعمل المريضة على تقوية ذاتها الحقيقية ,فأحد علماء النفس وهى «كارين هورنى» تقول بأن للإنسان ثلاث ذوات : الذات الإجتماعية والذات المثالية والذات الحقيقية . وكلما كان الإنسان قريباً من ذاته الحقيقية بلا رتوش أو خداع ,وكلما كانت هذه الذات الحقيقية قوية كلما إقترب الإنسان من الصحة النفسية .
دكتور / محمد المهدى
إستشارى الطب النفسى