نحو موسوعة نفسية إسلامية

 

أسلـــوب الإسـلام لمنـع العـنـف

د.جمال ماضي أبو العزائم

مقدمة:

لقد أعطى الاتحاد العالمي للصحة النفسية خلال السنوات الأخيرة اهتماما كبيرا لضحايا العنف من الناحية الوقائية والعلاجية.ففي أكتوبر 1987 تناول مؤتمر القاهرة الدولي هذا الموضوع حيث خصصت له جلسة خاصة.

وفي أبريل 1988 عقد مؤتمر في القاهرة بالتعاون مع معهد ضحايا العنف بالولايات المتحدة عالج نفس الموضوع وحلل الأسباب المسئولة عن العنف بالولايات المتحدة وعالج نفس الموضوع وحلل الأسباب المسئولة عن العنف وقد وزعت المطبوعات الخاصة بهذا الموضوع في جميع أنحاء العالم.

وفي يناير 1989 أثناء المؤتمر الدولي في رحلة نيلية من الأقصر وأسوان أثناء الاحتفال بالعيد الأربعين للاتحاد العالمي للصحة النفسية تمت مناقشة هذا الموضوع مرة أخرى.

وفي 199. بعد أزمة الخليج أجريت عدة اتصالات مع معهد ضحايا الخليج لمواجهة وعلاج الحالات الحرجة لضحايا حرب الخليج .

وفي عقد عام 1991 ، 1994 مؤتمران في القاهرة رأسهما فضيلة المفتي ناقشا هذا الموضوع من جميع نواحيه. وتوجت هذه الأنشطة في السنوات الأخيرة بإنشاء جمعية محلية خاصة للتخطيط وللأعداد للأنشطة المستقبلية في هذا المجال الهام .

دور الاسلام في مواجهة العنف :

كلمة الاسلام مشتقة من كلمة " السلام " ويشكل السلام أحد الأركان الهامة في العقيدة الإسلامية . وقد ذكرت كلمة "السلام" في القرآن أكثر من 14. مرة. ويؤكد الاسلام على نبذ العنف والقتل ويقول القرآن " من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا(السورة 5 الآيه 32) وقد بين النبي محمد صلوات الله عليه السلوك الصحيح للمسلم فقال " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" وقد أشار القرآن لهذا الموضوع في مراحل الوقاية الثلاث.

الوقاية الأولية من العنف:

يبدأ أسلوب الاسلام في الوقاية من العنف قبل الميلاد حيث يوصي الزوج باختيار شريكة حياته من مجتمع جيد مسالم فيقول الحديث الشريف " تخيروا لنطفكم فأن العرق دساس" " كما يوصي الرسول بتجنب زواج الأقارب فيقول الحديث الشريف " اغتربوا لا تضووا".

ويوصي الرسول صلوات الله عليه الشباب الا يتزوج فتاة لجمالها فقط إذا كانت قد نشأت في بيئة سيئة لان مثل هذه الفتاة تشبه زهرة نمت في بيئة فاسدة فيقول " إياكم وخضراء الدمن وهي المراة الجميلة في منبت السوء" وهذه الوصايا لتجنب الجينات المريضة ".

ويعطي الاسلام للأيام الأولى في الحياة أهمية خاصة ففيها تشكل شخصية الفرد ولهذا السبب يؤكد الاسلام على أهمية هذه الأيام ويحرص على نضج الأخلاقيات والسلوك الحميد وتنشيط الارادة.

ويؤكد السيد الرسول صلوات الله عليه على التأكيد لتعليم الأبناء مبادئ الصلاة قبل السابعة. وهذا يتطلب النظافة والوضوء وقراءة القرآن وتقليد سلوك الوالدين أثناء الصلاة والاستماع إليهم وهم يقرآون القرآن والاجابه عما يوجه إليهم من أسئلة أثناء هذه الفترة الحرجة من العمر.

وتؤدي هذه الخطوات الى النضج السريع الصحي الخالي من العدوان والعنف والذي يتسم بالسلام والحب والطاعة وهذه الوقاية الأولية مسئولية عدة أطراف فالوالدين والأسرة يأتيان أولا يليها المدرسة والنادي والجيران والأصدقاء والزملاء ووسائل الأعلام والقادة أو الزعماء في كل منطقة . كما أنها لها أهمية كبرى في أماكن العبادة كالمساجد والكنائس.

ان هذه الهيئات إذا تعاونت مع بعضها في عملية التنشئة فأنها تعطينا جيلا ناجحا خاليا من العنف.

الوقاية الثانية :-

قد ينشأ العنف من كثير من الأسباب المرضية سواء كانت اجتماعية أو نفسية أو عضوية أو اقتصادية أو غير ذلك. والتشخيص المبكر هام جدا لمعالجة هذه الأمراض المختلفة والتعامل معها. ولا بد للمجتمع ان يكون مستعدا لاقامة مراكز العلاج اللازم لمواجهة هذه الحالات واعطاء العلاج المبكر والمتابعة . ولا بد للطبيب النفسي والأخصائي النفسي والأخصائي الاجتماعي والمرشد الديني ان يعملوا كفريق واحد في هذه المراكز. وأنني أدعو المراكز الدينية ان توفر التدريب اللازم في مجال الصحة النفسية للمرشدين الدينين لاعدادهم لتحمل هذه المسئولية الهامة.

ويؤكد القرآن هذا الاتجاه حيث يقول" ولتكن منكم أمه يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون " السورة 3 الآيه (104) .

واذا نجح المجتمع في تحقيق هذه الأهداف فأن مشكلة العنف سوف تقل .. ان العنف يولد العنف. ولا بد للجهات المعنية ان تعالج هذه الظاهرة في جميع المجالات. فلا بد من تحليل العنف ومعرفة دوافعه ومعالجتها حسب طبيعتها . ويقول القرآن "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة أدفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم".

الوقاية الثالثة :

قد تستمر حالات العنف بسبب خطا العلاج أو غير ذلك من الأمراض وهذه الحالات تحتاج التأهيل والعلاج في مراكز خاصة تستعمل احدث الأجهزة والأساليب التي من بينها الأسلوب الديني. ولا بد للمجتمع ان يسهل إنشاء هذه المراكز وتبني سياستها الوقائية على الأسلوب الاجتماعي الديني.

ولا بد ان تبتعد هذه المراكز عن المفاهيم القديمة على اعتبار أنها مراكز للعقوبة ويؤكد القرآن على هذه المبادئ فيقول" ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا " والكثير من الحالات تستجيب للوقاية الثالثة ويعودون الى المجتمع الذي يجب عليه ان يسهل حياتهم ويقبلهم كمواطنين عاديين وهذا يتطلب القيام بدور المتابعة لتجنب النكسة .

دور العدالة في الوقاية من العنف :

لقد وضع الاسلام حدودا معينة لا يجب تجاوزها كما ان هناك أنواعا خاصا من العقوبة تطبق على من يتجاوز هذه الحدود وذلك لتحقيق التوازن في المجتمع وللحيلولة دون احتمال الآخذ بالثار . ولكن على الرغم من كل هذه الاحتياطات فأن الاسلام يشجع الناس على التسامح والعفو. وهذا الاتجاه يساعد على تقوية صلابة شخصية الفرد المسلم واستقرارها ويقول القرآن في هذا المعنى " فمن عفا واصلح فاجره على الله " .

ويقول أيضا " وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم ".

ولا تنطبق هذه القواعد على الأفراد فقط ولكنها تنطبق على المجتمعات والحكومات أيضا ويقول القرآن في هذا المعنى : " وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فأن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفي الى أمر الله فان فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان الله يحب المقسطين".

هذه هي المبادئ الإسلامية العالمية بخصوص مشكلة العنف وهي المبادئ التي وضعت موضع التطبيق في عمليات العنف في الخليج والتي ثبتت فاعليتها وقد يتبادر الى ذهن أحدكم ان يسأل " ولماذا نركز على الدين ؟ وللرد على هذا نقول انه إذا كان هناك قانون له علاقة بالدين فلا شك انه يكتسب قوة إضافية اكثر مما لو لم يكن كذلك. وهذا يدعو العلوم المتعلقة بعلم النفس ان توسع قاعدتها وتركز اكثر واكثر في ثقافات الشعوب وعاداتها لكي تستخرج منها العناصر التي لها علاقة بديانتها للعمل على تقويتها وبذلك تدخل بسرعة في أنماط السلوك.

ان الاسلام عندما يوفر قاعدة عريضة لمقاومة العنف فأنه يكون بذلك قد حفظ حقوق الأفراد واكد على التزاماتهم ويكون بذلك قد ساعد على أيجاد مجتمعا متوازنا .

وقد أعلن الاسلام عن حقوق الأطفال والوالدين والمرأة وحقوق الفقراء وحقوق المرضى النفسيين وكبار السن .

ان كل هذه الحقوق إذا اتبعت وأخذت ما تستحقه من عناية واهتمام سوف تضمن مجتمعا يستمتع بالصحة ويخلو من الظلم والعنف والكراهية .

هذه هي العناصر الهامة التي يجب اتباعها للوصول الى مجتمع بناء ومتوازن

وارجو ان نتمكن من العمل بهذه المبادئ لكي نعطي الأسوة والنموذج الذي يجب اتباعه في هذا العالم السريع التغيير.